حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

5

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

المكلفين . وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما . والذكر الطائفة النازلة من القرآن ، وقرئ مُحْدَثٍ بالرفع صفة على المحل ، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث ، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول ، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول . وزعم الإمام فخر الدين الرازي رضي اللّه عنه أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤول إلى قولنا القرآن ذكر ، وبعض الذكر محدث لأن قوله مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكرا بل على أن ذكرا ما محدث ، كما أن قول القائل : لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه ، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلا ، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا « الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس » وإنه لا ينتج شيئا لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف في علم الميزان . قلت : إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله « بعض الذكر محدث » لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث . وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة ، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه ، ثم لقائل أن يقول تتميما لقول المعتزلة : إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان : أحدهما ذهب إلى قدم كله ، والثاني إلى حدوث كله ، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه . قال أهل البرهان : إنما قال في هذه السورة مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ لموافقة قوله بعد هذا قالَ رَبِّي يَعْلَمُ وقال في الشعراء مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ [ الآية : 5 ] لكثرة ذكر الرحيم فيها . فكان « الرحمن بالرحيم » أنسب . قوله تعالى يَلْعَبُونَ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله لاهِيَةً هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل . وفيه إن هم إلا كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه . ومعنى وَأَسَرُّوا النَّجْوَى بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي « واو » أسروا وجهان : أحدهما أنه على لغة من يجوز إلحاق علامة