حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

39

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

عاصفة تحمل كرسيه من إصطخر إلى الشام ، أو أنها كانت في وقت رخاء وفي وقت عاصفا لهبوبها على حسب إرادته وأمره . وفي قوله وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ إشارة أنه فعل كل ما فعل بالأنبياء المذكورين عن حكمة بالغة وتدبير محكم وإحاطة بأحوالهم وعلم باستئهالهم . قوله وَمِنَ الشَّياطِينِ أي سخرنا من الشياطين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ ويجوز أن يكون الكلام خبر أو مبتدأ و « من » موصولة أو موصوفة . كانوا يغوصون لأجله في البحار فيستخرجون الجواهر وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ أي متجاوزا ما ذكر من بناء المدائن والقصور وسائر الصنائع العجيبة . قالت العلماء : الظاهر أن التسخير لكفارهم دون المؤمنين منهم لإطلاق الشياطين ولقوله : وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ أي من أن يزيغوا عن أمره أو يبدلوا أو يوجد منهم فساد في الجملة إذ كان من دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار . والحفظ إما بسبب الملائكة أو مؤمني الجن الموكلين بهم ، أو بأن حبب إليهم طاعته وخوفهم مخالفته . قال ابن عباس في تفسيره : يريد أن سلطانه مقيم عليهم يفعل بهم ما يشاء . قال الجبائي : كيف تتهيأ منهم هذه الأعمال وأجسامهم رقيقة وإنما تمكنهم الوسوسة فقط ، فلعل اللّه تعالى كثف أجسامهم خاصة وقواهم على تلك الأعمال الشاقة وزاد في عظمهم معجزة لسليمان فلما مات سليمان ردهم إلى الخلقة الأولى . إذ لو أبقاهم على الخلقة الثانية لكان شبهة على الناس ، فلعل بعض الناس يدعي النبوة ويجعله دلالة عليها . واعترض عليه الإمام فخر الدين الرازي رضي اللّه عنه بأنك لم قلت : إن الجن أجسام فلعلهم من الموجودات التي ليست متحيزة ولا حالة في المتحيز . ولا يلزم منه الاشتراك مع الباري فإن الاشتراك في اللوازم الثبوتية لا يدل على الاشتراك في الملزومات فضلا عن اللوازم السلبية . سلمنا أن الجن أجسام لكن لم قلت : إن البنية شرط للقدرة وليس في يدكم إلا الاستقراء الضعيف ؟ سلمنا أنه لا بد من تكثيف أجسامهم فمن أين يلزم ردهم إلى الخلقة الأولى ؟ فإن قال : لئلا يفضي إلى التلبيس . قلنا : إذا ثبت أن ذلك كان معجزة لنبي قبله لم يتمكن المتنبي من الاستدلال ومن عجيب قدرة اللّه سبحانه أن أصلب الأجسام في هذا العالم الحجارة والحديد ، وقد سخرهما اللّه تعالى لداود فأنطق الحجر ولين الحديد ، وفي ذلك دلالة باهرة على أنه تعالى قادر على إحياء العظام الرميمة . ومن الغرائب أن الشياطين مخلوقة من النار وكان يأمرهم بالغوص في الماء ، وفيه إظهار الضد بالضد فتبارك اللّه رب العالمين . ومن عجائب القصص والأخبار حكاية أيوب عليه السلام وصبره على بلائه حتى صار مثلا . عن وهب بن منبه أنه كان من الروم من ولد عيص بن إسحاق وكانت أمه من ولد لوط اصطفاه اللّه وجعله نبيا ، ومع ذلك بسط عليه الدنيا وكثر أهله وماله وكان له سبعة بنين وسبع