حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
34
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
عباس أنه لم يبق يومئذ في الدنيا ونار إلا طفئت . واختلفوا في أن النار كيف بردت ؟ فقيل : إنه تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق واللّه على كل شيء قدير . وقيل : خلق في جسد إبراهيم كيفية مانعة من وصول أذى النار كما يفعل بخزنة جهنم ، وكذلك في النعامة لا يضرها ابتلاع الحديدة المحماة ، والسمندل ولا يؤذيه المقام في النار . وقيل : جعل بينه وبين النار حائلا منع من وصول أثر النار إليه . والمحققون على القول الأول لأن النص دل ظاهره على أن نفس النار صارت باردة ، وليست الحرارة جزءا من مسمى النار حتى يمتنع كونها نارا وهي باردة ، وأما على القولين الآخرين فيلزم أن لا يحصل البرد فيها وهو خلاف النص قوله وَسَلاماً أي ذات برد وسلام فبولغ في ذلك حتى كأن ذاتها برد وسلام . والمعنى ابردي حتى يسلم منك إبراهيم ، أو ابردي بردا غير ضار ويناسبه ما روي عن ابن عباس لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها . وقوله عَلى إِبْراهِيمَ حال من فاعل الكون أو متعلق بالبرد والسلام ، ولولا هذا القيد لكانت النار بردا على كافة الخلق ، قوله فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ وفي الصافات فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ [ الآية : 98 ] لأن في هذه السورة كادهم إبراهيم لقوله لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ وكادوه لقوله وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فغلبهم إبراهيم لأنه كسر أصنامهم وسلم من نارهم فكانوا هم الأخسرين . وفي الصافات قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ [ الصافات : 97 ] فأججوا نارا عظيمة وبنوا بناء عاليا ورفعوه إليه ورموا به إلى أسفل فرفعه اللّه وجعلهم في الدنيا من السافلين وفي العقبى في السافلين . و يروى أنهم بنوا لإبراهيم بنيانا وألقوه فيه ، ثم أوقد عليه النار سبعة أيام ثم أطبقوا عليه ، ثم فتحوا عنه فإذا هو غير محترق يعرق عرقا . فقال لهم حارث أبو لوط : إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا تحته فإن الدخان يقتله ، فجعلوه فوق بئر وأوقدوا تحته فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته فآمن له لوط كما يجيء في العنكبوت ، وهاجر إلى أرض الشام فذلك قوله وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها أي بالخصب وسعة الأرزاق أو بالمنافع الدينية لأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها . وقيل : ما من ماء أرض عذب إلا وينبع أصله من تحت صخرة بيت المقدس . يروى أنه نزل بفلسطين ولوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة . وقيل : الأرض مكة وَوَهَبْنا لَهُ أي لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً هي ولد الولد وهي حال من يعقوب فقط ، وقيل : النافلة العطية الزائدة ومنه الصلاة النافلة . ونوفل للرجل الكثير العطاء ، وعلى هذا احتمل أن يكون حالا من يعقوب فقط أي سأل إسحاق فأعطيه وأعطى يعقوب زيادة وفضلا من غير سؤال .