حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

90

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

بالاستقلال فعلا وتأثيرا . ثم شرع في إجابة مقترحهما وهو تأويل رؤياهما فقال : أَمَّا أَحَدُكُما يعني الشرابي فَيَسْقِي رَبَّهُ سيده خَمْراً يروى أنه قال له : ما رأيت من الكرمة وحسنها هو الملك وحسن حالك عنده ، وأما القضبان الثلاثة فإنها ثلاثة أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه . وقال للثاني : ما رأيت من السلال ثلاثة أيام ثم تخرج فتصلب فتأكل الطير من رأسك . قوله : قُضِيَ الْأَمْرُ قال في الكشاف : إنما وحد الأمر وهما أمران مختلفان استفتيا فيهما ، لأن المراد بالأمر ما اتهما به من سم الملك وما سجنا لأجله فكأنهما استفتياه في الأمر الذي نزل بهما أعاقبته نجاة أم هلاك استدلالا برؤياهما فقال : إن ذلك الذي ذكرت من أمر التأويل كائن لا محالة صدقتما أو كذبتما . وقيل : جحدا رؤياهما . وقيل : عكسا رؤياهما ، فلما علم الخباز أن تأويل رؤياه شر أنكر كونه صاحب تلك الرؤيا فقال يوسف : إن الذي حكمت به لكل منكما واقع لا بد منه ومن هنا قالت الحكماء : ينبغي أن لا يتصرف في الرؤيا ولا تغير عن وجهها فإن الفأل على ما جرى . وَقالَ يوسف لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ أي اذكر عند الملك أني مظلوم من جهة إخوتي أخرجوني وباعوني ، ثم إني مظلوم من جهة النسوة اللاتي حسبتني . والضمير في ظَنَّ إن كان للرجل الناجي فلا إشكال لأنهما ما كانا مؤمنين بنبوة يوسف بل كانا حسني الاعتقاد فيه وكأن قوله لم يفد في حقهما إلا مجرد الظن ، وإن عاد إلى يوسف فيرد عليه أنه كان قاطعا بنجاته فما المعنى للظن ؟ وأجيب بأنه إنما ذكر ذلك التعبير بناء على الأصول المقررة في ذلك العلم فكان كالمسائل الاجتهادية . والأصح أنه قضى بذلك على سبيل البت والقطع لقوله : لا يَأْتِيكُما طَعامٌ إلى قوله : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي فالظن على هذا بمعنى اليقين كقوله : الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [ البقرة : 46 ] أما الضمير في قوله : فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ فمن الناس من قال : إنه يعود إلى الرجل الناجي أي أنساه الشيطان ذكر يوسف لسيده أو عند سيده فإضافة الذكر إلى الرب للملابسة لا لأجل أنه فاعل أو مفعول ، أو المضاف محذوف تقديره فأنساه ذكر إخبار ربه ، وإسناد الإنساء إلى الشيطان مجاز لأن الإنساء عبارة عن إزالة العلم عن القلب والشيطان لا قدرة له على ذلك وإلا لأزال معرفة اللّه من قلوب بني آدم ، وإنما فعله إلقاء الوسوسة وأخطار الهواجس التي هي من أسباب النسيان . ومنهم من قال : الضمير راجع إلى يوسف ، والمراد بالرب هو اللّه تعالى أي الشيطان أنسى يوسف أن يذكر اللّه تعالى ، وعلى القولين عوتب باللبث في السجن بضع سنين . والبضع ما بين الثلاثة إلى العشرة لأنه القطعة من العدد والبضع القطع ومثله العضب . والأكثرون على أن المراد به في الآية سبع