حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
9
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
يَسْتَهْزِؤُنَ أراد يستعجلون ولكنه وضع يَسْتَهْزِؤُنَ موضعه لأن استعجالهم للعذاب كان على وجه الاستهزاء . وإنما قال : وَحاقَ بلفظ الماضي لأنه جعله كالواقع . ثم حكى ضعف حال الإنسان في حالتي السراء والضراء فقال : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ الآية . واختلف المفسرون فقيل : الإنسان مطلق بدليل صحة الاستثناء في قوله : إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ولأن هذا النوع مجبول على الضعف والنقص والعجلة وقلة الثبات . وقيل : المراد الكافر ، والاستثناء منقطع واللام للعهد . وقد مر ذكر الكافر ، ولأن وصف اليأس والكفران والفرح المفرط بالأمور الزائلة والفخر بها لا يليق إلا بالكافر ، وذلك أنه يعتقد أن السبب في حصول تلك النعم من الأمور الاتفاقية ، فإذا زالت استبعد حدوثها مرة أخرى فيقع في اليأس الشديد ، وعند حصولها كان ينسبها إلى الاتفاق فلا يشكر اللّه بل يكفره ، وإذا انتقل من مكروه إلى محبوب ومن محنة إلى محنة اشتد فرحه بذلك وافتخر بها لذهوله عن السعادات الأخروية الروحانية فيظن أنه قد فاز بغاية الأماني ونهاية المقاصد . وأما المؤمن فحاله على العكس ولذلك استحق وعد اللّه بالمغفرة والأجر الكبير . أما تفسير الألفاظ فالإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم ، وفيه دليل على أن الإنسان لا يصبر عن أقل القليل ولا عليه ، وفيه أن جميع نعم الدنيا في قلة الاعتبار وسرعة الزوال تشبه حلم النائمين وخيالات المبرسمين . والرحمة النعمة من صحة أو أمن أو جدة ، ونزعها سلبها . واليئوس والكفور بناءان للمبالغة ، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه ، والضراء مضرة كذلك . قال الواحدي لأنها أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة نحو حوراء وعوراء . والسيئات يريد بها المصائب التي ساءته . ثم سلى نبيه صلى اللّه عليه وسلم بقوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ قال ابن عباس : إن رؤساء مكة قالوا : إن كنت رسولا فاجعل لنا جبال مكة ذهبا أو ائتنا بالملائكة ليشهدوا لك فخاطب اللّه سبحانه نبيه بقوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ واختلفوا في ذلك البعض فعن ابن عباس أن المشركين قالوا له : ائتنا بكتاب ليس فيه شتم آلهتنا حتى نتبعك ونؤمن بكتابك . وقال الحسن : طلبوا منه صلى اللّه عليه وسلم أن يترك قوله : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ [ طه : 15 ] وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز على الرسول أن يترك بعض ما أوحى اللّه إليه لأنه ينافي المقصود من الرسالة المعتبر فيها الأمانة ، فأوّلوا الآية بأن أمثال هذه التهديدات لعلها سبب عدم التقصير في أداء الوحي فلهذا خوطب بها ، أو لعله كان صلى اللّه عليه وسلم بين محذورين : أحدهما ترك أداء شيء من الوحي ، وثانيهما أنهم كانوا يتلقون الوحي بالطعن والاستهزاء ، فنبه بالآية على أن تحمل الضرر الثاني أهون وإذا وقع الإنسان بين مكروهين وجب أن يختار أسهلهما ، والعربي يقول لغيره إذا أراد أن يزجره : لعلك تفعل كذا أي لا