حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
71
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة فقيل له : ما هذا ؟ فقال : طول الزمان وكثرة الأحزان . فأوحى اللّه تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني ؟ قال : يا رب خطيئة فاغفرها لي . ثم بين أن الصبر على ما وصفوه من هلاك يوسف لا يمكن إلا بمعونة اللّه تعالى فقال : وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ فالقرينتان كقوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ الفاتحة : 5 ] ويعلم من الآية أن الصبر إن كان لأجل الرضا بقضاء اللّه تعالى أو لاستغراقه في شهود نور الحق بحيث يمنعه من الاشتغال بالشكاية عن البلاء فذلك صبر جميل وإلا فلا . واعترض بأن هذا الصبر كان فيه إعانة الظالمين وإهمال لتخليص المظلوم من المحن والشدائد والترقية فكيف جاز صبر يعقوب حتى لم يبالغ في التفتيش والتنقير ، ولو بالغ لظهر عليه الأمر لشهرته وعظم قدره ؟ وأجيب بأن اللّه سبحانه لعله منعه عن الطلب تشديدا للمحنة عليه ، أو لعله إن بالغ في البحث أقدموا على قتله ، أو علم أن اللّه تعالى يصون يوسف وسيعظم أمره بالآخرة فلم يرد هتك ستر أولاده وإلقاءهم في ألسنة الناس كقول القائل : فإذا رميت يصيبني سهمي فكان الأصوب الصبر والسكوت وتفويض الأمر بالكلية إلى اللّه تعالى . ثم شرع في حكاية خلاص يوسف فقال : وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ عن ابن عباس : قوم يسيرون من مدين إلى مصر وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب فأخطئوا الطريق فنزلوا قريبا منه ، وكان الجب في قفرة بعيدة عن العمران لم يكن إلا للرعاة . وقيل : كان ماؤه ملحا فعذب حين ألقي فيه يوسف . فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ رجلا يقال له مالك بن ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء . ومعنى الوارد الذي يرد الماء ليستقي للقوم فَأَدْلى دَلْوَهُ أرسلها في البئر . قال الواحدي : فإذا نزعها وأخرجها قيل دلا يدلو . قالَ يا بُشْرى التقدير فظهر يوسف فقال الوارد : يا بشرى كأنه ينادي البشرى ويقول تعالي فهذا أوانك . ومتى قال الوارد هذا الكلام ؟ قال جمع من المفسرين : حين رأى يوسف متعلقا بالحبل . وقال آخرون : لما دنا من أصحابه صاح بذلك يبشرهم به . قال السدي : كان للوارد صاحب يقال له بشرى فنادى يا بشرى كما يقال يا زيد . والأكثرون على أنها بمعنى البشارة . فقال أبو علي : يحتمل أن يكون منادى مضموما مثل يا رجل وأن يكون منصوبا مثل يا رجلا كأنه جعل ذلك النداء شائعا في جنس البشرى . ومن قرأ بالإضافة فنصبه ظاهر . والضمير في وَأَسَرُّوهُ إما عائد إلى الوارد وأصحابه أي أخفوه من الرفقة لئلا يدعوا المشاركة في الالتقاط ، أو في الشراء إن قالوا اشتريناه . وطريق الإخفاء أنهم كتموه من الرفقة أو قالوا إن أهل الماء