حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
5
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التعديد أو كان معناه أنا اللّه أرى فقوله : كِتابٌ خبر مبتدأ محذوف أي هذا الكتاب . والإشارة إما إلى هذا البعض وإما إلى مجموع القرآن . ومعنى أُحْكِمَتْ نظمت نظما رصينا من غير نقض ونقص ، أو جعلت حكيمة من حكم بالضم إذا صار حكيما ، أو منعت من الفساد والبطلان من قولهم : أحكمت الدابة وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح . أي لم ينسخ بكتاب سواه كما نسخ سائر الكتب وذلك لاشتماله على العلوم النظرية والعلمية والظاهرية والباطنية وعلى أصول جميع الشرائع ، فلا محالة لا يتطرق إليه تبديل وتغيير . ثُمَّ فُصِّلَتْ كما تفصل القلائد بالفرائد من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام والمواعظ والقصص ، لكل معنى من هذه المعاني فصل انفرد به . أو جعلت فصولا سورة سورة وآية وآية ، أو فرقت في التنزيل ولم تنزل جملة واحدة ، أو فصل فيها تكاليف العباد وبين ما يحتاجون إليه في إصلاح المعاش والمعاد . ومعنى « ثم » التراخي في الحال كقولك : فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل . و أُحْكِمَتْ صفة كتاب . و مِنْ لَدُنْ صفة ثانية أو خبر بعد خبر أو صلة لأحكمت وفصلت أي من عنده إحكامها وتفصيلها . وفي قوله : حَكِيمٍ خَبِيرٍ لفّ ونشر لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بمواقع الأمور . احتج الجبائي بقوله : أُحْكِمَتْ ثُمَّ فُصِّلَتْ على كون القرآن محدثا لأن الإحكام والتفصيل يكون بجعل جاعل ، وكذا بقوله : مِنْ لَدُنْ لأن القديم لا يصدر من القديم . وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الأصوات والحروف وإنما النزاع في الكلام النفسي . وقوله : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ مفعول له أي لأجل ذلك أو يكون « أن » مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل : ثم قيل للنبي صلى اللّه عليه وسلم قل لهم لا تعبدوا . وجوز في الكشاف أن يكون كلاما مبتدأ منقطعا عما قبله محكيا على لسان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يغري أمته على اختصاص اللّه بالعبادة كأنه قال : ترك عبادة غير اللّه مثل فَضَرْبَ الرِّقابِ [ محمد : 4 ] والضمير في مِنْهُ للّه عزّ وجل حالا من نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي إنني لكم نذير من جهته إن لم تخصوه بالتعبد ، وبشير إن خصصتموه بذلك . ويجوز أن يكون مِنْهُ صلة لنذير أي أنذركم منه ومن عذابه ، ويكون صلة بشير محذوفا أي أبشركم بثوابه . ثم عطف على قوله : أَلَّا تَعْبُدُوا قوله : وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا أي اطلبوا من ربكم المغفرة لذنوبكم . ثم بين الشيء الذي به يطلب ذلك وهو التوبة فقال : ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ فالتوبة مطلوبة لكونها من متممات الاستغفار ، وما كان آخرا في الحصول كان أولا في الطلب ، فلهذا قدم الاستغفار على التوبة . وقيل : استغفروا أي توبوا ثم قال : تُوبُوا أي أخلصوا التوبة واستقيموا عليها . وقيل : استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا من أنف الذنوب . وقيل : استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة . وقيل : الاستغفار أن يطلب من اللّه الإعانة في