حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
38
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
عَجِيبٌ عادة فأزال الملائكة تعجبها منكرين عليها بقولهم على سبيل الاستئناف رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ يا أهل بيت خليل الرحمن . والمقصود أن رحمته عليكم متكاثرة وبركاته فيكم متواترة وخرق العادات في أهل بيت النبوة غير عجيب . ويحتمل أن يكون انتصاب أَهْلَ الْبَيْتِ على الاختصاص . وقيل : الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لأن الأنبياء منهم وكلهم من ولد إبراهيم . ثم أكدوا إزالة التعجب بقولهم : إِنَّهُ حَمِيدٌ محمود في أفعاله مَجِيدٌ ذو الكرم الكامل فلا يليق به منع الطالب عن مطلوبه . فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ الخوف الذي لحقه حين أنكر أضيافه وَجاءَتْهُ الْبُشْرى البشارة بحصول الولد يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ في معناهم وفي شأنهم وهو جواب « لما » على حكاية الحال ، أو لأن « لما » ترد المضارع إلى الماضي عكس « إن » ، ويحتمل أن يكون جواب « لما » محذوفا دل عليه يُجادِلُنا أي اجترأ على خطابنا أو قال كذا ، ثم ابتدأ فقال : يُجادِلُنا . وقيل : معناه أخذ يجادلنا ولا بد من حذف مضاف أي يجادل رسلنا لا بمعنى مخالفة أمر اللّه فإن ذلك يكون معصية بل سعيا في تأخير العذاب عنهم رجاء إيمانهم وتوبتهم . يروى أنهم قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية فقال : أرأيتم لو كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونها ؟ قالوا : لا قال : فأربعون ؟ قالوا : لا حتى بلغ العشرة قالوا لا . قال : فإن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا . فعند ذلك قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ [ العنكبوت : 32 ] قال الأصوليون : إن إبراهيم كان يقول : إن أمر اللّه ورد بايصال العذاب ومطلق الأمر لا يوجب الفور ، والملائكة يدعون الفور إما للقرائن أو لأن مطلق الأمر يستدعي ذلك ، فهذه هي المجادلة . أو لعل إبراهيم كان يدعي أن الأمر مشروط بشرط لم يحصل بعدوهم لا يسلمون . وبالجملة فإن العلماء يجادل بعضهم بعضا عند التمسك بالنصوص وليس يوجب القدح في واحد منهم فكذلك هاهنا ولذلك مدحه بقوله : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ غير عجول في الأمور أَوَّاهٌ كثير التأوّه من الذنوب مُنِيبٌ راجع إلى اللّه في كل ما يسنح له . وهذه الصفات تدل على رقة القلب والشفقة على خلق اللّه حتى حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع العذاب عنهم . ولما عرفت الملائكة أن العذاب قد حق عليهم قالوا : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا الجدال إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بإهلاكهم وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ لا حق بهم عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ فلا راد لقضائه فلا ينفع فيهم جدال ولا دعاء . وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا المذكورون لُوطاً سِيءَ بِهِمْ أصله « سوئ » لأنه من ساءه يسوءه نقيض سره يسره ، نقلت الكسرة إلى الفاء وأبدلت العين ياء ، ومن قرأ سِيءَ