حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
288
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الأمرين البنوّة والخدمة . وقيل : الأولى دخول الكل فيه . ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها ، وأورد « من » التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة . ثم ختم الآية بقوله : أَ فَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ فقيل : الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة اللّه ما عدده في الآيات السابقة . وقيل : الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما ، ونعمة اللّه ما أحل لهم . وإنما قال هاهنا : وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ وفي آخر « العنكبوت » وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ [ الآية : 67 ] . لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب ، وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب . ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلا وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً . قال جار اللّه : إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئا أي لا يملك أن يرزق شيئا ، وإن أردت المرزوق كان شيئا بدلا منه بمعنى قليلا أو يكون تأكيدا للا يملك أي لا يملك شيئا من الملك . و مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صلة للرزق إن كان مصدرا بمعنى لا يرزق من السماوات مطرا ولا من الأرض نباتا وصفة إن كان اسما لما يرزق . أما الضمير في وَلا يَسْتَطِيعُونَ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة . والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئا قد يكون موصوفا باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق ، فبيّن تعالى أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك . وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له ؟ فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالا بحال وقصة بقصة . وقال الزجاج : لا تجعلوا للّه مثلا لأنه واحد لا مثل له . وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب ، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك ، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص . وعلل النهي بقوله : إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما عليكم من العقاب وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما في عبادتها من العذاب . وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك . وقيل : إن اللّه يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون . ثم علمهم كيف تضرب فقال : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ثم أبدل من المثل قوله : عَبْداً مَمْلُوكاً لا حرا فإن جميع الناس عبيد للّه فلا يلزم من كونه عبدا كونه مملوكا . وقوله : لا يَقْدِرُ عَلى