حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

259

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الموسم من يأتيهم بخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم فإذا جاء الوافد كفه المقتسمون وأمروه بالانصراف كما مر ، فكان الوافد يقول : كيف أرجع إلى قومي دون أن أستطلع أمر محمد وأراه . فيلقى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث فهم الذين قالوا خيرا . وجوّز في الكشاف أن يكون لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا وما بعده بدلا من خَيْراً كأنه فسر الخبر بهذا القول ، وجوّز أن يكون كلاما مبتدأ على سبيل الوعد فيكون قولهم الخير من جملة إحسانهم . أما قوله فِي هذِهِ الدُّنْيا فإما أن يتعلق بما قبله فالمعنى : الذين جاءوا بالإحسان في هذه الدنيا لهم في الآخرة حَسَنَةٌ هي الثواب العظيم أو المضاعف إلى سبعمائة أو أكثر ، وإما أن يتعلق بما بعده والتقدير : الذين أحسنوا لهم الحسنة في الدنيا باستحقاق المدح والثناء ، أو بالظفر على أعداء الدين باللسان والسنان وفتح البلاد ، أو بفتح أبواب المكاشفات والمشاهدات . والحاصل أن لهم في الدنيا مكافأة بإحسانهم . وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ منها . ثم بين الخيرية بقوله : وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ دار الآخرة فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره . ثم قال : جَنَّاتُ عَدْنٍ أي هي هذه فيكون المبتدأ محذوفا أو الجنات مبتدأ وما بعدها خبر أو جَنَّاتُ عَدْنٍ هي المخصوص بالمدح . فالجنات يدل على القصور والبساتين ، والعدن على الدوام والإقامة . وقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ على أنه حصل هناك أبنية مرتفعة هم عليها والأنهار تجري من تحتهم . وقوله : لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ أبلغ من قوله في موضع آخر فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ [ الزخرف : 71 ] وفي تقديم الظرف دلالة على أن الإنسان لا يجد كل ما يريده إلا في الجنة . وقوله : الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أكثر المفسرين على أن هذا التوفي هو قبض الأرواح . وقوله : طَيِّبِينَ أي طاهرين عن دنس الكفر والمعاصي أو دنس الكفر وحده ، وهذه كلمة جامعة تشمل أنواع البراءة عن العلائق الجسمانية فلا يكون لصاحب هذه الحالة تألم بالموت دليله قوله : يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ يروى أنه إذا أشرف العبد المؤمن على الموت جاءه ملك فيقول : السلام عليك يا ولي اللّه ، اللّه يقرأ عليك السلام وبشره بالجنة فذلك قوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وعن الحسن أن المراد بهذا التوفي هو وفاة الحشر لأنه لا يقال عند قبض الروح في الدنيا ادخلوا الجنة . والأولون قالوا : البشارة بالجنة بمنزلة الدخول فيها . قوله سبحانه : هَلْ يَنْظُرُونَ قيل : إنه جواب شبهة أخرى لمنكري النبوة فإنهم طلبوا من النبي صلى اللّه عليه وسلم أن ينزل عليهم ملكا من السماء يشهد على صدقه في ادّعاء النبوة فقال