حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
252
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
يليق به عبادة الأخس فكذا هاهنا . وقال الكعبي في تفسيره : نحن لا نطلق لفظ الخالق على العبد ومن أطلق ذلك فقد أخطأ إلا في مواضع ذكرها اللّه تعالى كقوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ [ المائدة : 110 ] فعلى هذا لا يتوجه عليهم السؤال إلا أن أصحاب أبي هاشم يطلقون لفظ الخالق على العبد حتى إن أبا عبد اللّه البصري قال : إطلاق لفظ الخالق على العبد حقيقة وعلى اللّه مجاز لأن الخلق عبارة عن التقدير وهو الظن والحسبان . ثم لما فرغ من تعديد الآيات التي هي بالنسبة إلى المكلفين نعم قال : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها وقد مر تفسيره في سورة إبراهيم . قال العقلاء : إن كل جزء من أجزاء البدن الإنساني لو ظهر فيه أدنى خلل لنغص العمر على الإنسان وتمنى أن ينفق الدنيا لو كانت في ملكه حتى يزول عنه ذلك الخلل . ثم إنه سبحانه يدبر أحوال بدن الإنسان على الوجه الملائم له غالبا مع أن الإنسان لا علم له بوجود ذلك الجزء ولا بمصالحه ومفاسده ، فليكن هذا المثال حاضرا في ذهنك وقس عليه سائر نعم اللّه تعالى حتى تعرف تقصيرك وقصورك عن شكر أدنى نعمة فضلا عن جميعها ، ولهذا ختم الآية بقوله : إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يغفر التقصير الصادر عنكم في أداء شكر النعمة ويرحمكم حيث لا يقطعها عنكم بالتفريط ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها . كانوا مع اشتغالهم بعبادة غير اللّه يسرون ضروبا من الكفر والمكايد في حق الرسول صلى اللّه عليه وسلم فأوعدهم بقوله : وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وفيه أيضا تعريض وتوبيخ بسبب أن الإله يجب أن يكون عالما بالسر والعلانية ، والأصنام التي عبدوها جمادات لا شعور لها أصلا فكيف يحسن عبادتها . ثم زاد في التوبيخ فقال : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ أي الآلهة الذين يدعونهم الكفار مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وقد ذكر هذا المعنى في قوله : كَمَنْ لا يَخْلُقُ وزاد هاهنا قوله : وَهُمْ يُخْلَقُونَ أي بخلق اللّه أو بالنحت والتصوير وهم لا يقدرون على نحو ذلك فهم أعجز من عبدتهم ، ففي هذه الآية زيادة بيان لأنه نفى عنهم صفة الكمال وأثبت صفة النقصان . وكذلك قوله : أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ يستلزم ذمهم مرتين لأن من الأموات ما يعقب موته حياة كالنطفة والجسد الإنساني الذي فارقه الروح ، وأما الحجارة فأموات لا تقيل الحياة أصلا . وفيه أن الإله الحق يجب أن يكون حيا لا يعقبه موت وحال هذه الأصنام بالعكس . وفيه أن هؤلاء الكفار في غاية الغباوة وقد يقرر المعنى الواحد مع الغبي الجاهل بعبارتين مختلفتين تنبيها على بلادته وَما يَشْعُرُونَ الضمير فيه للآلهة . أما الضمير في أَيَّانَ يُبْعَثُونَ فإما للآلهة أيضا ويؤيده ما روي عن ابن عباس أن اللّه تعالى يبعث الأصنام لها أرواح ومعها شياطينها فيؤمر بالكل إلى النار ، وإما للداعين أي لا يشعر