حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
250
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
في الماء على ما هو مشاهد من حال أجزائها المنفصلة عنها . فإن كان طبيعة الكل كذلك فكيف يعقل طفوّها حتى توجب الجبال إرساءها وثباتها ، وإن لم تكن طبيعة الكل كذلك حتى تكون طافية مائدة وقد أرساها اللّه تعالى بالجبال ، فالرسو والرسوخ إنما يتصور على جسم واقف وليس إلا الماء فينقل الكلام إلى وقوف الماء في حيزه المعين . فإن كان بحسب الطبيعة فهذا خلاف التقدير لأنا نفينا القول بالطبائع الموجبة لهذه الأحوال ، وإن لم يكن بالطبع بل كان واقفا بتخليق الفاعل المختار وتسكينه في حيزه المخصوص فلم لا نقول مثله في تسكين الأرض ؟ هذا تلخيص ما قاله الإمام فخر الدين الرازي ، ونسب المقام إلى الصعوبة والإشكال واستخرج لحله وجها مبنيا على قوانين الحكمة ، وهو أن الأرض جسم كروي ، والكرة إذا كانت صحيحة الاستدارة فإنها تتحرك بأدنى سبب ، فلما أحدث اللّه سبحانه على وجه الكرة هذه الخشونات الجارية مجرى الأوتاد منعتها عن السلاسة والحركة . قلت : في هذا الحل خلل . أما أولا فلكونه مبنيا على غير قواعد أهل التفسير ، وأما ثانيا فلما ثبت في الحكمة أن نسبة أعظم جبل في الأرض وهو ما ارتفاعه فرسخان وثلث فرسخ إلى جميع الأرض كنسبة خمس سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع ، ولا ريب أن ذلك القدر من الشعيرة لا يخرج الكرة المذكورة عن صحة الاستدارة بحيث يمنعها عن سلاسة الحركة ، فكذا ينبغي أن يكون حال الجبال بالنسبة إلى كرة الأرض . والجواب الصحيح على قاعدة أهل الشرع أن يقال : لا نسلم أن الأرض بكليتها لها طبيعة موجبة لحالة من الأحوال ، وعلى تقدير التسليم فلا نسلم أن لها طبيعة الرسوب بل لعل طبيعتها الطفو فلهذا احتاجت إلى الرواسي . وأما قوله : « لم أوقف اللّه الماء في حيزه ولم يوقف الأرض من غير إرساء » فلا يخفى سقوطه مع القول بالفاعل المختار ، فللوسائط والأسباب مدخل في الأمور العادية ، وإن لم نقل بتأثيرها ، هذا وإن حركة الأرض عند الزلازل لا تنافي حكم اللّه بعدم اضطرابها لأن إثبات الحركة لجزء الشيء لا ينافي نفيها عن كله . وشبهوا الزلزلة وهي حركة قطعة من الأرض لاحتقان البخارات في داخلها وطلبها المنفذ باختلاج يحصل في جزء معين من بدن الحيوان . قوله سبحانه : وَأَنْهاراً معطوف على رَواسِيَ أي وجعل فيها رواسي وأنهارا لأن الإلقاء هاهنا بمعنى الجعل والخلق كقوله : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي [ طه : 39 ] وكذا قوله وَسُبُلًا أي أظهرها وبينها لأجل أن تهتدوا بها في أسفاركم . ولما ذكر أنه أظهر في الأرض سبلا معينة ذكر أنه أظهر في تلك السبل علامات مخصوصة وهي كل ما يستدل به السابلة من جبل وسهل وغير ذلك . يحكى أن جماعة يشمون التراب فيعرفون به