حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

179

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

بنفسه فهو المطلوب وإلا فيحتاج إلى ما يظهره . وما يظهره لا يمكن أن لا يكون ظاهرا في نفسه لأن ما لا يكون له ظهور في نفسه لا يفيد ظهورا لغيره فننقل الكلام إلى ذلك الظاهر بأن نقول : إن كان ظهوره في نفسه بنفسه فذاك وإلا احتاج إلى ما يظهره ، ولا بد أن ينتهي في طرف الصعود إلى ما يكون ظهوره في نفسه بنفسه وإلا لم ينته الأمر في طرف النزول إلى الظاهر المفروض أوّلا . فنهاية ما لا نهاية له محال من أي جانب فرض ، ولا تنتهض العودة اليومية نقضا علينا بناء على أنها مسبوقة بعودات ما لا تتناهى ، فإن لا تناهيها في جانب الأزل محال عندنا . وكنا قد كتبنا في بعض كتبنا بيان استحالة ذلك ، فإن نقلت الكلام إلى فيض الواجب وقلت الفيض الواقع في زمان الحال مسبوق بإفاضات غير متناهية لا محالة ، قلنا : لو سلمنا ذلك لكنه لا يستحيل في الواجب لأن وجوده وأوصافه المعتبرة كلها مقتضيات ذاته ، ومقتضى ذات الشيء يدوم بدوام الشيء ومستحيل انفكاكه عنه ، فلا نهاية فيضانه تابعة للامسبوقة بغيره وكون وجوده من ذاته . ولا يلزم من كون مطلق الفيض أزليا أن يكون الفيض المخصوص أزليا ، وإذا ثبت وجوب انتهاء الظاهر المفروض إلى ما هو ظاهر في نفسه بنفسه ثبت المطلوب وهو وجود نور الأنوار تعالى شأنه وبهر برهانه ، وهو نهاية الممكنات في جانب الأزل وبدايتها في جانب الأبد ، فهو قديم أزلي ، ولأن وجوده مقتضى ذاته وما بالذات لا يزول فهو الباقي الدائم . هذا ما سنح من المنبهات لهذا الضعيف أثبتها في هذا الكتاب الشريف ليبقى إن شاء اللّه على وجه الدهر ، وينظر فيها من هو من أهلها في كل عصر واللّه المستعان . قال بعض العقلاء : من لطم على وجه صبي فتلك اللطمة تدل على وجود الصانع المختار ، وعلى حصول التكليف ، وعلى ثبوت دار الجزاء ، وعلى ضرورة بعثة النبي . أما الأوّل فلأن الصبي يصيح ويقول : من الذي ضربني وما ذاك إلا بشهادة فطرته على أن هذه اللطمة لما حدثت بعد عدمها وجب أن يكون حدوثها لأجل فاعل مختار أدخلها في الوجود ، وإذا كان حال هذا الحادث مع حقارته هكذا فما ظنك بجميع الحوادث الكائنة في العالم العلوي والعالم السفلي ؟ ! وأما دلالتها على وجوب التكليف فلأن ذلك الصبي ينادي ويصيح ويقول : لم ضربني ذلك الضارب ؟ وفيه دلالة على أن الأفعال الإنسانية داخلة تحت التكليف ، وأن الإنسان ما خلق حتى يفعل أي شيء اشتهى . وأما دلالتها على الجزاء فلأنه يطلب الجزاء على تلك اللطمة ولا يتركه ما أمكنه . وإذا كان الحال في هذا العمل القليل كذلك فكيف يكون الحال في جميع الأعمال ؟ ! وأما وجوب النبوّة فلأنهم يحتاجون إلى إنسان يبين لهم أن العقوبة الواجبة على ذلك القدر من الجناية كم هي ، ولا فائدة في بعثة النبي إلا تبيين الشرائع والأحكام ، ومما يدعو العاقل إلى الاعتراف بالمبدأ والمعاد أنه لو أقر بهما ثم بان