حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
177
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الأوّل أقرب إلى طبيعة الوجود من الثاني لأن الموقوف على مقدمات أكثر أعسر وجودا والثاني واقع بالضرورة فالأول أولى بكونه ضروري الوقوع . وجه رابع : نسبة كل محمول إلى موضوعه لا تخلو في نفس الأمر من أن تكون بالوجوب أو بالإمكان أو بالامتناع . فنسبة الوجود الخارجي إلى الماهيات الخارجية من حيث ذواتها لا تخلو من أحد الأمور الثلاثة ، لكن نسبته إليها بالامتناع ظاهرة الاستحالة ، فهي إما بالإمكان أو بالوجوب ، ولا شك أن نسبة الوجود إلى ذات الموجود أولى من نسبته إلى غيره إذ الأصل عدم الغير ، فكل ما دل البرهان على أن وجوده من غيره لتغير فيه أو نقص يحكم عليه بأنه ممكن الوجود ، وما لم يدل البرهان فيه على ذلك بل يدل على وجوب وجوده بجميع صفاته الكمالية فهو واجب الوجود . ومن شك في وجود ما وجوده من تلقاء نفسه ويكون متصفا بجميع الكمالات بعد مشاهدة ما وجوده من غيره وهو عرضة للنقائص والرذائل كان أهلا لأن يهجر الحكمة . وجه خامس : نفس الإمكان نقص لا نقص فوقه لاستتباعه العجز والافتقار وصحة العدم عليه الذي لا ضعف مثله ، والوجود المتصف به متحقق بالضرورة . فالوجود الذي يجوّزه العقل الصريح متصفا بصفة الوجوب كيف لا يكون متحققا ، ومن استبهم عليه مثل هذا الجلي فلا يلومن إلا نفسه . وجه سادس : مقتضى ذات الشيء أقرب إيجابا له عند العقل من مقتضى كل ما يغايره ، لكن الوجود الذي مقتضاه الإمكان ثابت في الخارج مع أن ثبوته في الخارج مقتضي الغير ، فالوجود الذي مقتضاه الوجوب ثابت بالطريق الأولى . وجه سابع : الوجود الممكن ثابت بالضرورة وليس ثبوت ذلك الوجود من تلقاء نفسه وإلا كان وجودا واجبا لأنا لا نعني بالوجود الواجب إلا هذا . فإما أن يكون من وجود واجب وهو المطلوب ، أو من وجود مثله وحينئذ ما لم يكن ثابتا في نفسه لم يتصوّر منه إفادة مثله ، فإذن حصل لنا وجود ممكن موصوف الثبوت في نفسه وموصوفا بكونه مفيدا لوجود مثله . فإذا صح هذان الوصفان للوجود الممكن المفتقر فكيف لا يصحان للوجود الواجب الغني بل نسبتهما إلى الثاني أولى من نسبتهما إلى الأوّل بحكم الفهم الصحيح . وجه ثامن : كون الشيء موجودا في نفسه أقرب وأقبل عند العقل من كونه موجدا لغيره ، إذ ليس كل من له وجود في نفسه يكون موجدا لغيره ، وكل موجد لغيره موجود