حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

144

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

بالمعاونين والأنصار . والمقصود بعث الأمراء والسلاطين على أن يطلبوا الخلاص عن المكاره بعصمة اللّه لا بالحرس والأعوان ولذلك ختم الآية بقوله وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ممن يلي أمرهم ويدفع عنهم . قالت الأشاعرة : في هذا الكلام دلالة على أن العبد غير مستقل في الفعل لأنه إذا كفر العبد فلا شك أنه تعالى حكم بكونه مستحقا للذم في الدنيا والعقاب في الآخرة ، فلو كان العبد مستقلا لحصل الإيمان وكان رادا لقضاء اللّه تعالى . وقالت المعتزلة : هذا معارض بما تقدم عليه من كلام اللّه وهو قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ لأنه لو ابتدأ بالعبد أول ما يبلغ بالضلال والخذلان كان ذلك من أعظم العقاب مع أنه ما كان منه تغيير . قالوا : وفيه دليل على أنه لا يعاقب أطفال المشركين بذنوب آبائهم لأنهم لم يغيروا ما بأنفسهم من نعمة فيغير اللّه ما بهم من النعمة إلى العقاب . أجابت الأشاعرة بأن هذا راجع إلى قوله : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بين اللّه سبحانه بذلك أنه لا ينزل بهم عذاب الاستئصال إلا والمعلوم منهم الإصرار على الكفر حتى قالوا : إذا كان المعلوم أن فيهم من يؤمن أو في أعقابهم من يؤمن فإنه لا يستأصلهم . ورد بأن هذا خلاف الظاهر وقد صرح بذلك في سورة الأنفال في قوله : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً [ الآية : 53 ] الآية . والحق أن ترتب النقمة على تغيير النعمة لا ينافي استناد تغيير النعمة إليه فإنه مبدأ المبادئ وانتهاء الوسائط وسبب الأسباب . التأويل : المر الألف اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم ، اللام له مقاليد السماوات والأرض ، الميم مالك يوم الدين ، الراء رب العالمين من الأزل إلى الأبد . أقسم بهذه الأمور أن الذي أنزل على عبده محمد هو الحق ، وأنه حبل اللّه الذي به يوصل المؤمن من هبوط عالم الطبيعة إلى ذروة عالم الحقيقة لأنه اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ المحسوسة بِغَيْرِ عَمَدٍ فكما أنه رفع السماوات بقدرته فكذلك رفع الدرجات برحمته ، أو كما أنه رفع السماوات المحسوسة بعمد القدرة كذلك يرفع سماوات القلوب بجذبة العناية ، وسخر شمس الروح وقمر القلب أو النفس لتدبير مصالح العالم الصغير . وإنما تظهر هذه الغرائب والعجائب لحصول كمال الإيقان بالرجوع إلى اللّه والفناء فيه بل البقاء به . ومن حسن تدبيره أنه مد أرض البشرية وجعل فيها رواسي من الأوصاف الروحانية وأنهارا من منابع العناية ، وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وهي الملكات والأخلاق جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ملكة روحانية حميدة وأخرى نفسانية وذميمة . فالأولى نورانية كالنهار والأخرى ظلمانية كالليل ، يغلب هذه تارة وتلك أخرى وهذا معنى قوله : يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ وفي أرض الإنسانية