حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

4

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

ممدوحة في مقابلة قساوة اليهود وغلظتهم وإلا فهي مذمومة في نفسها لقوله تعالى وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها [ الحديد : 27 ] ولقوله صلى اللّه عليه وسلم « لا رهبانية في الإسلام » « 1 » وهاهنا نكتة هي أن كفر النصارى حيث إنهم ينازعون في الإلهيات والنبوات جميعا أغلظ في الحقيقة من كفر اليهود لأنهم لا ينازعون إلا في النبوات إلا بعضهم القائلين بأن عزيرا ابن اللّه . ثم إن النصارى لما لم يشتد حرصهم على طلب الدنيا وعلى الحياة وأقبلوا على العلم والبراءة من الكبر خصهم اللّه تعالى بالمدح وذم اليهود حيث قال وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [ البقرة : 96 ] غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [ المائدة : 64 ] فتبين صحة قوله صلى اللّه عليه وسلم « حب الدنيا رأس كل خطيئة » قال ابن عباس : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خاف على أصحابه من المشركين فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه إلى النجاشي وقال : إنه ملك صالح لا يظلم ولا يظلم عنده أحد فأخرجوا اليه حتى يجعل اللّه للمسلمين فرجا . فلما وردوا عليه أكرمهم وقال لهم : هل تعرفون شيئا مما أنزل عليكم ؟ قالوا : نعم . فقرءوا وحوله القسيسون والرهبان فكلما قرءوا آية انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق . وقال آخرون : قدم جعفر بن أبي طالب من الحبشة هو وأصحابه ومعهم سبعون رجلا بعثهم النجاشي وفدا إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم عليهم ثياب الصوف ؛ اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيرا الراهب وأبرهة وغيرهما ، فقرأ عليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سورة يس إلى آخرها فبكوا وآمنوا فنزلت والخطاب في تَرى لكل راء . وقد وضع الفيض الذي هو مسبب الامتلاء موضع الامتلاء وأصله تمتلئ من الدمع حتى تفيض لأن الفيض بعد الامتلاء ، ويحتمل أن يكون الدمع مصدر دمعت عينه وقصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء كأنّ الأعين تفيض بأنفسها . ومعنى مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ أي مما نزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو الحق ف « من » الأولى لابتداء الغاية على أن فيض الدمع نشأ من معرفة الحق ، والثانية للبيان ويحتمل التبعيض يعني أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف لو عرفوا كله وأحاطوا بالسنة ؟ رَبَّنا آمَنَّا المراد إنشاء الايمان لا الإخبار عنه فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ مع أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم وقد مر مثله في آل عمران . وَما لَنا إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع حصول موجبه وهو الطمع في إنعام اللّه عليهم بإدخالهم دار ثوابه مع الصالحين . قالوا ذلك في أنفسهم أو فيما بينهم أو في جواب قومهم حين رجعوا إليهم ولاموهم . ومحل لا نُؤْمِنُ نصب على الحال نحو : ما لك قائما . والعامل فيه معنى الفعل أي ما نصنع غير مؤمنين . وهو العامل أيضا في وَنَطْمَعُ لكن مقيدا

--> ( 1 ) رواه الدارمي في كتاب النكاح باب 3 . بلفظ « إني لم أؤمر بالرهبانية » .