حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
13
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الخمر إلا الرجس وعمل الشيطان . ومنها أنه قرنها بعبادة الأصنام ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « شارب الخمر كعابد الوثن » ومنها أنه جعلها رجسا كما قال في موضع آخر فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ الحج : 30 ] وأصل الرجس العمل القبيح والقذر . قال الفراء : وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [ يونس : 100 ] أي العقاب والغضب وكأنه إبدال الرجز والرجس بالفتح الصوت الشديد من الرعد ومن هدير البعير فلهذا سمي العمل القوي الدرجة في القبح رجسا . ومنها أنه جعلها من عمل الشيطان ، ومن المعلوم أنه لا يصدر منه إلا الشر البحت . ومنها أنه أمر بالاجتناب وظاهر الأمر للوجوب . ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح فيكون القرب منها خيبة . والضمير في فَاجْتَنِبُوهُ عائد إلى الرجس أو العمل أو إلى المضاف المحذوف أي إنما تعاطي الخمر ونحو ذلك . ومنها شرح أنواع المفاسد المنتجة منها من التعادي والتباغض والصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة خصوصا وفيه أن غرض الشرب من الاجتماع تأكد الألفة والمودّة . ثم إنها تورث نقيض المقصود لأن العقل إذا زال استولت الشهوة والغضب ويؤدي إلى التنازع واللجاج ، وكذا القمار يفضي إلى إفناء المال وإلى أن يقامر على حليلته وأهله وولده وكل ذلك يورث العداوة والفتن وهذان من مكايد الشيطان ومضادّان لمصالح الإنسان . وأيضا الخمر سبب تهييج اللذة الجسمية ، والقمار يورث لذة الغلبة الحالية ، وكلتاهما توجب الاشتغال عن اللذات الحقيقية الحاصلة من الاستغراق في طاعة المعبود . وإنما أفرد ذكر الخمر والميسر ثانيا لأن الخطاب مع المؤمنين فقرنهما أولا بذكر الأنصاب والأزلام تنبيها على أنها جميعا من أعمال الجاهلية وأهل الشرك ، ثم أفردهما لأن الكلام مسوق لتحريمهما على المخاطبين حيث إنهم كانوا لا يتعاطون سوى هذين . ومنها سوق الكلام بطريق الاستفهام في قوله فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ كأنه قيل : قد تلي عليكم ما هو كاف في باب المنع فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم تزجروا ؟ ولهذا قالوا : قد انتهينا يا رب . إذ فهموا التحريم المؤكد . ومنها إنه قال عقيب ذلك وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا والظاهر أن المراد الطاعة فيما تقدم من الأمر بالاجتناب والحذر عن المخالفة في ذلك الباب . ومنها تهديد من خالف هذا التكليف بقوله فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ الآية . والمراد إن أعرضتم فالحجة قد قامت عليكم والرسول قد خرج عن عهدة البلاغ وقد أعذر من أنذر وجزاء المخالف إلى اللّه المقتدر . عن أنس قال : كنت ساقي القوم يوم حرمت في بيت أبي طلحة وما شرابهم إلا فضيخ البسر والتمر ، فإذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت . قال : فجزت في سكك المدينة فقال أبو طلحة : اخرج فأرقها . فقالوا : قتل فلان وفلان وهي في بطونهم فأنزل اللّه تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا