حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

27

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

عام من غير علف ولا ماء كما حفظ طعامه وشرابه من التغير ، وأما فائدة الواو في قوله وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فقد قال الفراء : فإنما دخلت لنية فعل بعدها مضمر ، لأنه لو قال وانظر إلى حمارك لنجعلك آية ، كان النظر إلى الحمار شرطا وجعله آية جزاء ، وهذا المعنى غير مطلوب من هذا الكلام . بل المعنى : ولنجعلك آية فعلنا ما فعلنا من الإماتة والإحياء . ومثله في القرآن كثير وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [ الأنعام : 105 ] وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [ الأنعام : 75 ] وانظر إلى العظام كيف ننشرها بالراء المهملة أي كيف نحييها . وقرئ كيف ننشرها من نشر اللّه الموتى بمعنى أنشرهم . ويحتمل أن يكون من النشر ضد الطي فإن الحياة تكون بالانبساط . وقد وصف اللّه العظام بالإحياء في قوله مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ [ يس : 79 ] ومن قرأ بالزاء فمعناه نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب . والنشز ما ارتفع من الأرض ومنه نشوز المرأة لأنها ترتفع عن حد رضا الزوج . « وكيف » في موضع الحال من العظام والعامل فيه « ننشرها » لا « انظر » لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله . ثم أكثر المفسرين على أن المراد بالعظام عظام حماره ، وأن اللام فيه بدل من الكناية . وعن قتادة والربيع وابن زيد : أن العظام عظام هذا الرجل نفسه . قالوا : إنه تعالى أحيا رأسه وعينيه وكانت بقية بدنه عظاما نخرة وكان ينظر إلى أجزاء عظام نفسه فرآها تجتمع وينضم البعض إلى البعض وكان يرى حماره واقفا كما ربطه ، وزيف بأن قوله لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ إنما يليق بمن لا يرى في نفسه أثر التغير لا بمن شاهد أجزاء بدنه متفرقة وعظامه رميمة . وأيضا قوله ثُمَّ بَعَثَهُ يدل على أن المبعوث هو تلك الجملة التي أماتها ، وقيل : هي عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم ، وفاعل تبين مضمر تقديره فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أن اللّه على كل شيء قدير قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فخذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قوله « ضربني وضربت زيدا » أو التقدير : فلما تبين له ما أشكل عليه من أمر الإماتة والإحياء قال أعلم . وتأويله إني قد علمت مشاهدة ما كنت أعلمه قبل ذلك استدلالا . ومن قرأ أَعْلَمُ على لفظ الأمر فمعناه أنه عند التبين أمر نفسه بذلك ، واللّه تعالى أمره بذلك كما في آخر قصة إبراهيم وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قال القاضي : القراءة الأولى أولى لأن الأمر بالشيء إنما يحسن عند عدم المأمور به ، وهاهنا العلم حاصل بدليل قوله فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فلا يحسن الأمر بتحصيل العلم بعد ذلك . أما الإخبار عن أنه حصل فجائز . قلت : ليس هذا من باب الأمر بتحصيل الحاصل ، وإنما الأمر فيه عائد إلى شيء آخر غير حاصل وهو عدم التعجب من إيجاد سائر الممكنات البعيدة ، فإن من قدر