حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
12
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التفسير : قد جرت عادته سبحانه في هذا الكتاب الكريم أنه يخلط الأنواع الثلاثة ، أعني : علم التوحيد وعلم الأحكام وعلم القصص بعضها ببعض . والغرض من ذكر القصص إما تقرير دلائل التوحيد ، وإما المبالغة في إلزام الأحكام والتكاليف ، وفي هذا النسق أيضا رحمة شاملة ولطف كامل ؛ فإن طبع الإنسان جبل على الملال ، فكلما انتقل من أسلوب إلى أسلوب انشرح صدره وتجدد نشاطه وتكامل ذوقه ولذته ويصير أقرب إلى فهم معناه والعمل بمقتضاه . وإذ قد تقدّم من علم الأحكام والقصص ما اقتضى المقام إيراده ذكر الآن ما يتعلق بعلم التوحيد . فقال اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما قرئت هذه الآية في دار إلا هجرتها الشياطين ثلاثين يوما ، ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة » . وعن عليّ رضي اللّه عنه : « سمعت نبيكم وهو على أعواد المنبر يقول من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت ، ولا يواظب عليها إلا صدّيق أو عابد ، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه اللّه على نفسه وجاره ، وجار جاره والأبيات حوله » وتذاكر الصحابة أفضل ما في القرآن فقال لهم علي رضي اللّه عنه : أين أنتم من آية الكرسي ؟ . ثم قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « يا علي سيد البشر آدم عليه السلام ، وسيد العرب أنت ، وسيد العالمين محمد صلى اللّه عليه وسلم ولا فخر ، وسيد الكلام القرآن ، وسيد القرآن البقرة ، وسيد البقرة آية الكرسي » . وعن عليّ رضي اللّه عنه أنه قال : لما كان يوم بدر قاتلت ثم جئت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انظر ما ذا يصنع ، فجئت فإذا هو ساجد يقول : « يا حي يا قيوم » لا يزيد على ذلك . ثم رجعت إلى القتال ثم جئت وهو صلى اللّه عليه وسلم يقول ذلك . فلا أزال أذهب وارجع وانظر إليه وكان لا يزيد على ذلك إلى أن فتح اللّه له . واعلم أن الذكر والعلم يتبعان المذكور والمعلوم ، وأشرف المذكورات والمعلومات هو اللّه تعالى بل هو متعال عن أن يقال هو أشرف من غيره لأن ذلك يقتضي نوع مشاكلة أو مجانسة وهو مقدس عن مجانسة ما سواه ؛ ولما كانت الآية مشتملة من نعوت جلاله وأوصاف كبريائه على الأصول والمهمات ، فلا جرم وصلت في الشرف إلى أقصى الغايات ونهاية التصورات . ولنشتغل بالتفسير . أما لفظ « اللّه » فقد مرّ تفسيره في أول الكتاب . وأما قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فقد سبق تفسيره في قوله وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وأما الْحَيُّ الْقَيُّومُ فقد سلف أيضا معناهما في شرح الأسماء ، لا أنا نزيد هاهنا فنقول : عن ابن عباس : إن أعظم أسماء اللّه