حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
93
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الرابع فيما يختص بتفسير الحمد للّه من الفوائد . الفائدة الأولى في الفرق بين الحمد والمدح والشكر . المدح للحي ولغير الحي كاللؤلؤة والياقوتة الثمينة ، والحمد للحي فقط . والمدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده ، والحمد إنما يكون بعد الإحسان . والمدح قد يكون منهيا عنه قال صلى اللّه عليه وسلم : « احثوا التراب في وجوه المداحين » « 1 » والحمد مأمور به مطلقا قال صلى اللّه عليه وسلم : « من لم يحمد الناس لم يحمد اللّه » والمدح عبارة عن القول الدال على أنه مختص بنوع من أنواع الفضائل باختياره وبغير اختياره ، والحمد قول دال على أنه مختص بفضيلة اختيارية معينة وهي فضيلة الإنعام إليك وإلى غيرك ، ولا بد أن يكون على جهة التفضيل لا على سبيل التهكم والاستهزاء ، والشكر على النعمة الواصلة إليك خاصة وهو باللسان ، وقد يكون بالقلب والجوارح قال الشاعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة * يدي ولساني والضمير المحجبا والحمد باللسان وحده فهو إحدى شعب الشكر ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « الحمد رأس الشكر ما شكر اللّه عبد لم يحمده » وإنما جعله رأس الشكر لأن ذكر النعمة باللسان والثناء على موليها أشيع لها وأدل على مكانها من الاعتقاد وأداء الجوارح لخفاء عمل القلب ، وما في عمل الجوارح من الاحتمال بخلاف عمل اللسان وهو النطق الذي يفصح عن كل خفي . والحمد نقيضه الذم ولهذا قيل : الشعير يؤكل ويذم . والمدح نقيضه الهجاء ، والشكر نقيضه الكفران ، إذا عرفت ذلك فنقول : إذا قال المدح للّه لم يدل ذلك على كونه تعالى فاعلا مختارا لما مر أن المدح قد يكون لغير المختار . ولو قال : الشكر للّه كان ثناء بسبب إنعام وصل إلى ذلك القائل . وإذا قال : الحمد للّه فكأنه يقول سواء أعطيتني أو لم تعطني فإنعامك واصل إلى كل العالمين وأنت مستحق للحمد العظيم ، ولا ريب أن هذا أولى . وقيل : الحمد للّه على ما دفع من البلاء ، والشكر للّه على ما أعطى من النعماء ، والنعمة في الإعطاء أكثر من النعمة في دفع البلاء ، فكأنه يقول : أنا شاكر لأدنى النعمتين فكيف بأعلاهما ؟ ويمكن أن يقال : إن المنع غير متناه والإعطاء متناه ، والابتداء بشكر دفع البلاء الذي لا نهاية له أولى ، وأيضا دفع الضرر أهم من جلب النفع فتقديمه أحرى . الثانية : لو قال : أحمد اللّه أفاد كون ذلك القائل على حمده ، وإذا قال : الحمد للّه أفاد أنه كان محمودا قبل حمد الحامدين وقبل شكر الشاكرين . وأيضا الحمد للّه معناه أن مطلق الحمد
--> ( 1 ) رواه مسلم في كتاب الزهد حديث 68 ، 69 . أبو داود في كتاب الأدب باب 9 . الترمذي في كتاب الزهد باب 55 . ابن ماجة في كتاب الأدب باب 36 . أحمد في مسنده ( 2 / 94 ) .