حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
76
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [ الأنعام : 3 ] فإنه لا يجوز أن يقال هو زيد في البلد وإنما يقال هو العالم في البلد . قلنا : لم لا يجوز أن يكون ذلك جاريا مجرى قولك « هو زيد الذي لا نظير له في البلد » ؟ قالوا : لما كانت الإشارة ممتنعة في حقه تعالى ، كان اسم العلم له ممتنعا . وأيضا العلم للتمييز ولا مشاركة فلا حاجة إلى التمييز . قلنا : وضع العلم لتعيين الذات المعينة ولا حاجة فيه إلى الإشارة الحسية ، ولا يتوقف على حصول الشركة ، وكأن النزاع بين الفريقين لفظي ، لأن القائلين بالاشتقاق متفقون على أن الإله مشتق من أله بالفتح إلاهة أي عبد عبادة ، وأنه اسم جنس كالرجل والفرس يقع على كل معبود بحق أو باطل ، ثم غلب على المعبود بحق كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا ، وكذلك السنة على عام القحط والبيت على الكعبة والكتاب على كتاب سيبويه . وأما « اللّه » بحذف الهمزة فمختص بالمعبود الحق لم يطلق على غيره . وينبغي أن يكون المراد من كون اللّه تعالى معبودا كونه مستحقا ومستأهلا لأن يعبده كل من سواه كما يليق بحال العابد ، فإن اللائق بحال المعبود لا يقدر عليه أحد من المخلوقات . ولا يخفى أن الاستحقاق والاستئهال حاصل له أزلا وأبدا ، فيكون إلها أزلا وأبدا وإن كل من سواه عابد له بقدر استعداده وعلى حسب حاله ، حتى النبات والجماد والكافر والفاسق وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [ الإسراء : 44 ] إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً [ مريم : 93 ] والعبد الصالح من يعبد اللّه تعالى لذاته لا لغرض رغبة في الثواب ورهبة من العقاب ، حتى لو فرض حصول المرغوب أو فقد المرهوب لم يكن عابدا ، ومع ذلك فينبغي أن يقطع النظر عن عبادته أيضا . وقيل : اشتقاقه من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه . فالنفوس لا تسكن إلا إليه تعالى ، والعقول لا تقف إلا لديه ، لأن الكمال محبوب لذاته أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ الَّذِينَ آمَنُوا [ الرعد : 28 - 29 ] وقيل : من الوله وهو ذهاب العقل سواء فيه الواصلون إلى ساحل بحر العرفان والواقفون في ظلمات الجهالة وتيه الخذلان . وقيل : من لاه ارتفع لأنه تعالى ارتفع عن مشابهة الممكنات ومناسبة المحدثات . وقيل : من أله في الشيء إذا تحير فيه ، لأن العقل وقف بين إقدام على إثبات ذاته نظرا إلى وجود مصنوعاته ، وبين تكذيب لنفسه لتعاليه عن ضبط وهمه وحسه ، فلم يبق إلا أن يقر بالوجود والكمال مع الاعتراف بالعجز عن إدراك كنه الجلال والجمال ، وهاهنا العجز عن درك الإدراك إدراك . وقيل : من لاه يلوه إذا احتجب ، لأنه بكنه صمديته محتجب عن العقول . فإنا إنما