حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

665

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

سموا بذلك لأنهم ملئوا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم « ملؤ الرجل ملاءة فهو مملوء » إذا كان مطيقا له ، لأنهم يتمالئون أي يتظاهرون ويتساندون . والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال ، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر ، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن . لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل . منهم من قال : إن النبي صلى اللّه عليه وسلم هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله تعالى مِنْ بَعْدِ مُوسى ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال . والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل . وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت اللّه أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون . والسين تصير شينا بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب . ابْعَثْ لَنا مَلِكاً أنهض للقتال معنا أميرا نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا . وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام ، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة . وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكا مقدرين القتال ، أو استئناف كأنه قال لهم . ما تصنعون بالملك ؟ فقالوا : نقاتل . وقرئ « يقاتل » بالياء والجزم على الجواب ، وبالرفع على أنه صفة ل مَلِكاً و هَلْ عَسَيْتُمْ خبره أَلَّا تُقاتِلُوا والشرط فاصل بينهما ، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور ؟ وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ قال المبرد : « ما » نافية أي ليس لنا ترك القتال . والأكثرون على أنه للاستفهام ، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال : ما لك أن لا تفعل كذا ، وإنما يقال : ما لك لا تفعل . فعن الأخفش أن « أن » زائدة أي ما لنا لا نقاتل . ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة . وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك « ما لك لا تقاتل » معناه ما منعك أن تقاتل ، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال « أن » فيه . وعن الكسائي : واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة « في » على القياس وَقَدْ أُخْرِجْنا أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها ، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه . روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين ، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين . وهاهنا محذوف التقدير : فسأل اللّه تعالى ذلك فبعث لهم ملكا وكتب عليهم القتال . فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين عبروا النهر وسيأتي