حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

662

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وقيل لهم : قاتلوا . وإن كان استئناف خطاب للحاضرين على ما هو اختيار الجمهور من المفسرين فلا إضمار ، وفيه ترغيب وإرهاب كيلا ينكص على عقبيه محب للحياة بسبب خوف الموت فإن الحذر لا يغني عن القدر . وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ يسمع ما يقوله القاعدون والمجاهدون ويعلم ما يضمرونه وهو من وراء الجزاء . ولما أمر المكلفين بالقتال في سبيل اللّه أردف ذلك بقوله مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً أي في باب الجهاد ، كأنه ندب العاجز عن الجهاد أن ينفق على الفقير القادر على الجهاد ، وأمر القادر على الجهاد أن ينفق على نفسه في طريق الجهاد . و « ذا » في مَنْ ذَا إما زائدة و « من » استفهام في موضع الرفع ، و « الذي » مع صلتها خبره أو موصولة و « الذي » بدلها أو اسم إشارة خبر « من » و « الذي » نعت له ، أو بدل منه . قال أبو البقاء : ولا يجوز أن يكون « من » و « ذا » بمنزلة اسم واحد كما كانت « ما ذا » لأن « ما » أشد إبهاما من « من » إذا كانت « من » لمن يعقل . وقد بني الكلام على طريقة الاستفهام لأن ذلك أدخل في الترغيب والحث على الفعل من ظاهر الأمر . وقيل : إن هذا الكلام مبتدأ لا تعلق له بما قبله ، وإنما ورد مستأنفا في الإنفاق إما على الإطلاق وهو الأليق بعموم لفظ القرض ، وإما الواجب منه لأن قوله وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ كالزجر . وهو إنما يليق بالواجب ، وأما غير الواجب لأن القرض بالتبرع أشبه وهذا قول الأصم . وقد يروى عن بعض أصحاب ابن مسعود أن المراد من هذا القرض هو قول الرجل « سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر » . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم « من لم يكن عنده ما يتصدق به فليلعن اليهود فإنه له صدقة » ويشبه أن يكون الفقير الذي لا يملك شيئا إذا كان في قلبه أنه إذا قدر أنفق وأعطى ، قامت تلك النية مقام الإنفاق . وعن الزجاج أن لفظ القرض حقيقة في كل ما يفعل ليجازى عليه . وأصل القرض القطع ومنه المقراض والانقراض لانقطاع الأثر ، ومن أقرض فكأنما قطع له من ماله أو عمله قطعة يجازى عليها . وقيل : إن لفظ القرض في الآية مجاز ، فإن القرض إنما يأخذه من يحتاج إليه لفقره وذلك في حق اللّه محال ، ولأن البدل في القرض المعتاد لا يكون إلا بالمثل وهنا يضاعف ، ولأن المال الذي يأخذه المستقرض لا يكون ملكا له وهاهنا المال المأخوذ ملك اللّه . ثم مع حصول هذه الفروق سماه اللّه تعالى قرضا تنبيها على أن ذلك لا يضيع عند اللّه . فكما أن القرض يجب أداؤه ولا يجوز الإخلال به فكذا الثواب المستحق على هذا الإنفاق واصل إلى المكلف لا محالة . وقوله قَرْضاً حَسَناً يحتمل كونه اسم مصدر وكونه مصدرا بمعنى الإقراض . ومعنى كونه حسنا حلالا خالصا لا يختلط به الحرام ولا يشوبه من ولا أذى ولا يفعله رياء وسمعة ، وإنما يفعله خالصا لوجه اللّه تعالى .