حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
609
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
ظهرت على يده كانت خارجة عن حدّ البشر ، وهم أنكروها وأضافوها إلى الجن والشياطين ، فقد أثبتوا شريكا للّه سبحانه في خلق هذه الأشياء الخارجة عن قدرة البشر . واعترض عليه بأن اليهودي حيث لا يسلم أن ما ظهر على يد محمد صلى اللّه عليه وسلم هو من جنس ما لا يقدر العباد عليه ، لم يلزم أن يكون مشركا بسبب إضافة ذلك إلى غير اللّه . والجواب أنه لا اعتبار بإقراره ، وإنما الاعتبار بالدليل ، فإذا ثبت بالدليل أن ذلك المعجز خارج عن قدرة البشر ، فمن أضاف ذلك إلى غير اللّه كان مشركا كما لو أسند خلق الحيوان والنبات إلى الأفلاك والكواكب . احتج المخالف بأنه تعالى فصل بين أهل الكتاب والمشركين في الذكر حيث قال ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ [ البقرة : 105 ] لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [ البينة : 1 ] والعطف يقتضي التغاير . وأجيب بأن كفر الوثني أغلظ وهذا القدر يكفي في العطف ، أو لعله خص أوّلا ثم عمم . هذا وقد سلف في تفسير قوله عزّ من قائل فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً [ البقرة : 22 ] أن أكثر عبدة الأوثان مقرون بأن إله العالم واحد ، وأنه ليس له في الإلهية بمعنى خلق العالم وتدبيره شريك ونظير ، فظهر أن وقوع اسم المشرك عليهم ليس بحسب اللغة بل بالشرع كالصلاة والزكاة . وإذا كان كذلك فلا يبعد بل يجب اندراج كل كافر تحت هذا الاسم ، لا سيما وقد تواتر النقل عن النبي صلى اللّه عليه وسلم بأنه يسم كل من كان كافرا بأنه مشرك . التفريع إن قيل : المشركات تشمل الحربيات والكتابيات جميعا فالآية منسوخة أو مخصصة بقوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ المائدة : 5 ] لأن سورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ شيء منها قط وهو قول ابن عباس والأوزاعي . لا يقال : لعل المراد من آمن بعد أن كان من أهل الكتاب لأن قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ [ المائدة : 5 ] يشمل من آمن منهنّ فيبقى قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ المائدة : 5 ] ضائعا ولإجماع الصحابة على جواز نكاح الكتابيات نقل أن حذيفة تزوّج بيهودية أو نصرانية فكتب إليه عمر أن خل سبيلها . فكتب إليه : أتزعم أنها حرام ؟ فقال : لا ، ولكني أخاف . وعن جابر بن عبد اللّه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « نتزوّج نساء أهل الكتاب ولا يتزوّجون نساءنا » وعن عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في المجوس : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم » ولو لم يكن نكاح نسائهم جائزا لكان هذا الاستثناء خاليا عن الفائدة . وإن قيل : إن المشركات تختص بالحربيات ، فالآية ثابتة وباقية على عمومها . ومن الناس من زعم أن هذه الآية ناسخة لما كانوا عليه من التزوج بالمشركات . روي هذا عن الحسن وزيف بأن رفع مباح الأصل ليس