حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
605
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
له في الجاهلية : لم لا تشرب الخمر فإنها تزيد في جرأتك ؟ فقال : ما أنا بآخذ جهلي بيدي فأدخله في جوفي ، ولا أرضى أن أصبح سيد قوم وأمسي سفيههم ، ومن خواصها أن الإنسان كلما كان اشتغاله بها أكثر كان الميل إليها أتم ، وقوة النفس عليها أقوى . بخلاف سائر المعاصي كالزنا وغيره ، وكفى بقوله إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ [ المائدة : 90 ] وبقوله صلى اللّه عليه وسلم « الخمر أم الخبائث » « 1 » ذما لها وتقريرا لإثم شاربها . وقد لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسبب الخمر عشرة . وقال صلى اللّه عليه وسلم : « كل مسكر حرام » « 2 » « وإن على اللّه عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال قالوا يا رسول اللّه وما طينة الخبال ؟ قال : عرق أهل النار أو عصارة أهل النار » « 3 » وكذا الكلام في الميسر مع أن فيه أكل الأموال بالباطل . وأما المنافع المذكورة فهي أنهم كانوا يغالون بها إذا جلبوها من النواحي ، وكان المشتري إذا ترك المماكسة في الثمن يعدّ ذلك فضيلة ومكرمة ، وكان يكثر أرباحهم بذلك السبب قال أبو محجن : أقومها زقا يحق بذا كم يساق إلينا تجرها ونسوقها . قال أبقراط : في الخمر عشر منافع . خمس جسمانية وخمس نفسانية . فالجسمانية أنها تجوّد الهضم وتدرّ البول وتحسن البشرة وتطيب النكهة وتزيد في الباه . والنفسانية أنها تسر النفس وتقرب الأمل وتشجع النفس وتحسن الخلق وتزيل البخل . ومن منافع الميسر التوسعة على ذوي الحاجات لأنهم كانوا يفرقونه على المساكين فيكتسبون به الثناء والمدح . ولا ريب أن منافع الخمر والميسر لكونها مظنونة عاجلة أقل من إثمهما لكونه متيقن . الحساب الدائم العذاب ، والعاقل لا يختار النفع القليل الزائل بعقاب أبدي لا نهاية له . الحكم الرابع : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ وقد تقدم ذكر هذا السؤال وأجيب عنه بذكر المصرف وأعيد هنا فأجيب بذكر الكمية . وذلك أن الناس لما رأوا اللّه ورسوله يحضان على الإنفاق وينبهان على عظم ثوابه ، سألوا عن مقدار ما كلفوا به هل هو كل المال أو بعضه ؟ ومعنى العفو ما تيسر وسهل مما يكون فاضلا عن الكفاية . ويشبه أن يكون العفو عن الذنب راجعا إلى التيسير والتسهيل . ويقال للأرض السهلة : العفو . ومن
--> ( 1 ) رواه النسائي في كتاب الأشربة باب 44 . ( 2 ) رواه مسلم في كتاب الأشربة حديث 73 . أبو داود في كتاب الأشربة باب 5 . الترمذي في كتاب الأشربة باب 1 . ابن ماجة في كتاب الأشربة باب 9 . أحمد في مسنده ( 2 / 16 ، 29 ) . ( 3 ) رواه مسلم في كتاب الأشربة حديث 72 . أبو داود في كتاب الأشربة باب 5 . النسائي في كتاب الأشربة باب 45 . أحمد في مسنده ( 2 / 178 ) .