حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
597
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] ويمكن أن يقال أن قوله قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ نكرة في حين الإثبات فيتناول فردا واحدا لا كل الأفراد ، فلا يلزم منه تحريم القتال في الشهر الحرام مطلقا ، فلا حاجة فيه إلى تقدير النسخ واللّه أعلم . وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ من القتال في الأشهر الحرم فإذا لم تمتنعوا عنها في الشهر الحرام فكيف تعيبون عبد اللّه بن جحش على ذلك القتال مع أنه ظن أنه في جمادى الآخرة ؟ واعلم أن قوله وَصَدٌّ قد مر وجوه إعرابه في الوقوف . أما قوله : وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ فقيل : إنه معطوف على الهاء في « به » عند من يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار ، كقراءة حمزة تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ [ النساء : 1 ] بالخفض . والكفر بالمسجد الحرام منع الناس عن الصلاة فيه والطواف به وقيل : إنه معطوف على سبيل اللّه أي صد عن سبيل اللّه وصد عن المسجد الحرام . واعترض بأنه يلزم الفصل بين صلة المصدر الذي هو الصد ، وبين المصدر بالأجنبي الذي هو قوله وَكُفْرٌ بِهِ وأجيب بأن الصد عن سبيل اللّه والكفر به كالشئ الواحد في المعنى ، فكأنه لا فصل وبأن التقديم لفرط العناية مثل وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ [ الإخلاص : 4 ] وكان حق الكلام « ولم يكن أحد كفوا له » . وقيل : والمسجد الحرام عطف على الشهر الحرام أي يسألونك عن قتال في الشهر الحرام والمسجد الحرام وهذا قول الفراء وأبي مسلم . وقيل : الواو في « والمسجد الحرام » للقسم . والصد عن سبيل اللّه هو المنع عن الإيمان باللّه وبمحمد أو عن الهجرة . وقيل : منعهم المسلمين عام الحديبية عن عمرة البيت وزيف بأن الآية نزلت قبل غزوة بدر كما مر في قصة ابن جحش . وعام الحديبية كانت بعد غزوة بدر . وأجيب بأن معلوم اللّه كالواقع . والمراد بإخراج أهله ، إخراج المسلمين من مكة . وإنما جعلهم أهلا له إذ كانوا هم القائمين بحقوق المسجد ولهذا قال عزّ من قائل وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها [ الفتح : 26 ] وإنما كانت هذه الأمور أكبر لأن كل واحد منها كفر والكفر أعظم من القتال . وأيضا إنها أكبر من قتال في الشهر الحرام وهو قتال عبد اللّه بن جحش ، ولم يكن قاطعا بأنه وقع في الشهر الحرام . وأما الكفار فيعلمون بأن هذه الأمور تصدر عنهم في الشهر الحرام وَالْفِتْنَةُ أي الشرك ، أو إلقاء الشبهات في قلوب المؤمنين ، أو التعذيب كفعلهم ببلال وصهيب وعمار . أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ لأن الفتنة تفضي إلى القتل في الدنيا وإلى استحقاق العذاب الدائم في الآخرة ، فيصح أن الفتنة أكبر من القتل ، فضلا عن ذلك القتل الذي وقع السؤال عنه وهو قتل ابن الحضرمي . يروى أنه لما نزلت الآية كتب عبد اللّه بن جحش إلى مؤمني مكة « إذا عيركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيروهم أنتم بالكفر وإخراج الرسول صلى اللّه عليه وسلم من مكة ومنع المؤمنين عن البيت الحرام » وَلا يَزالُونَ