حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

594

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

كراهتهم له أو مشتقة عليهم كقوله تعالى حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وقال بعضهم : الكره بالضم ما كرهته مما لم تكره عليه ، وإذا كان بالإكراه فبالفتح . وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فربما كان الشيء شاقا عليكم في الحال وهو سبب للمنافع الجليلة في الاستقبال وبالضد ، ولهذا حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في الاستقبال ، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتحصيل الربح في المال ، وكذا تحمل المتاعب في طلب العلم للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والعقبى . العلم أوله مر مذاقته * لكنّ آخره أحلى من العسل وهاهنا كذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل وصون المال عن الإنفاق ، ولكن فيه أنواع من المفاسد والمضار أدناها تسلط الكفار واستيلاؤهم على ديار المسلمين ، وربما يؤدي إلى أن استباحوا بيضة الإسلام واستناخوا بحريمهم واستأصلوهم عن آخرهم . وأما منافع الجهاد فمنها الظفر بالغنائم ، ومنها الفرح العظيم بالاستيلاء على العدو . وأما ما يتعلق بالدين فالثبات عليه والثواب في الآخرة . وترغيب الناس في الإسلام وإعلاء كلمة اللّه ، وتوطين النفس للفراق عن دار البلاء والانقطاع عن عالم الحس قال الخليل : « عسى » من اللّه واجب في القرآن . قال : فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ [ المائدة : 52 ] وقد وجد عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً [ يوسف : 83 ] وقد حصل . والتحقيق أن معنى الرجاء فيه يعود إلى المكلف وإن كان المرجو حاله معلوما للّه تعالى كما بينا في « لعل » وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وذلك أن علمه تعالى فعلي يعلم الأسباب وما يترتب عليها ، والحوادث وما نشأت هي منها ، يحيط علمه بالمبادئ والغايات لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ [ سبأ : 3 ] وعلمكم انفعالي فلعلكم تعكسون التصورات فتظنون المبادئ غايات وبالعكس ، والمصالح مفاسد وبالضد . وفيه ترغيب عظيم في أداء وظائف التكاليف . وتخويف شديد عن تبعة العصيان والمرود ، فإن الإنسان إذا تصور قصور نفسه وكمال علم اللّه تعالى علم أنه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيره وصلاحه ، فيلزم نفسه امتثاله وإن كرهه طبعه فكأنه تعالى يقول : يا أيها العبد ، علمي أكمل من علمك فكن مشتغلا بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك وهواك . فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 30 ] الحكم الثاني في قوله سبحانه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ أكثر المفسرين على أن هؤلاء السائلين هم المسلمون حيث اختلج في صدورهم أن يكون الأمر بالقتال مقيدا بغير