حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

590

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه » أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم ، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق ، فإن نصر اللّه قريب لأنه آت وكل ما هو آت قريب ، والحاصل أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير ، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم تعالى في ذلك ، وبيّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك ، والمصيبة إذا عمت طابت . وذكر اللّه تعالى من قصة إبراهيم عليه السلام وإلقائه في النار ، ومن أمر أيوب عليه السلام وما ابتلاه به ، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين . روى خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا : ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا . فقال : قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه ، واللّه ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا اللّه والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون . وهاهنا سؤال ، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد اللّه ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد : مت نصر اللّه ؟ والجواب أن كونه رسولا لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء ، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من اللّه تعالى أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال : - عند ضيق قلبه - متى نصر اللّه ؟ حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته ، ولهذا أجيب بأن نصر اللّه قريب لا بأن نصر اللّه كائن . وهذا الجواب يحتمل أن يكون من اللّه ، ويحتمل أن يكون قولا لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن اللّه لا يخلف الميعاد . وقيل : إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولا ثم ذكروا كلامين : أحدهما متى نصر اللّه ، والثاني ألا إن نصر اللّه قريب . فهذا الثاني قول الرسول ، والأول قول المؤمنين كقوله وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [ القصص : 73 ] والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار . ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت ، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة . اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير . التأويل : إنه تعالى إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته ، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة اللّه