حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

589

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال سبحانه : أَمْ حَسِبْتُمْ على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين ، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى . قال في الكشاف : « أم » منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده . وقال القفال رضي اللّه عنه : تقدير الآية : فهدى اللّه الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ من غير سلوك سبيلهم وَلَمَّا يَأْتِكُمْ فيه معنى التوقع . وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر . عن ابن عباس : لما دخل النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين ، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل اللّه تعالى تطييبا لقلوبهم أَمْ حَسِبْتُمْ وقال قتادة والسدي : نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال سبحانه وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ الأحزاب : 10 ] وقيل : نزلت في حرب أحد لما قال عبد اللّه ابن أبي لأصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل ؟ لو كان محمد نبيا ما سلط اللّه عليكم الأسر والقتل . والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا اللّه بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه ، وأن ينالكم من أذى الكفار ، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين ؟ و مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا حالهم التي هي مثل في الشدة و مَسَّتْهُمُ بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلا قال : كيف كان ذلك المثل ؟ فقيل : مستهم الْبَأْساءُ وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه وَالضَّرَّاءُ وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه وَزُلْزِلُوا حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه ، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى . وقيل : معناه خوّفوا وليس ببعيد ، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد . ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك شيئا هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال : حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها . من قرأ « يقول » بالنصب فعلى إضمار أن ، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل « حتى » وإن لم يكن مستقبلا عند الإخبار . ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم « شربت