حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
584
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي . عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش . وقيل : رؤساء اليهود وعلمائهم . وعن مقاتل : نزلت في المنافقين . ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين . ثم المزين من هو ؟ فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال : أتترك لذة الصهباء نقدا * بما وعدوك من لبن وخمر ؟ قالوا : وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فباطل . لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه ، وإذا كان المزين هو اللّه تعالى فلا بد أن يكون صادقا في ذلك الإخبار ، فيكون فاعله المستحسن له مصيبا . وإن كان كافرا وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر ، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجا منهم . وقولهم : « المزين للشيء هو المخبر عن حسنه » مردود ، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفا بالأوصاف الحسنة . سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن اللّه تعالى يكون مخبرا عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات ؟ وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر . وقال أبو مسلم : الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول : « أين يذهب بك » لا يريدون أن ذاهبا ذهب به ومنه قوله تعالى أَنَّى يُؤْفَكُونَ [ المائدة : 75 ] أَنَّى يُصْرَفُونَ [ غافر : 69 ] . ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهرا فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه . والتحقيق أن المزين هو اللّه تعالى كما صرح بذلك في قوله إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الكهف : 7 ] وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة ، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات ، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه ، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء . أو نقول : المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها . وقيل : إن اللّه تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف ، لأن اللّه تعالى خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار . وإن قيل : المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به . وإن قلت : ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا ، بخلاف