حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
581
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
والغمام لا يكون كذلك إلا إذا كان مجتمعا ومتراكما . فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة ، كل قطعة منها تكون في غاية الكثافة والعظم ، فكل قطعة ظلة والجمع ظلل . والاستفهام هاهنا في معنى النفي أي ما ينتظرون إلا أن يأتيهم عذاب اللّه في ظلل من الغمام ، وفيه تفظيع شأن العذاب وتهويله لأن الغمام مظنة الرحمة ، وإذا نزل منه العذاب كان أشنع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغم ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر ، فكيف إذا جاء الشر من حيث يتوقع الخير ؟ أو نزول الغمام علامة لظهور الأهوال في القيامة قال : يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً [ الفرقان : 25 ، 26 ] واستعير لتتالي العذاب تتابع القطر وإتيان الملائكة ليقوموا بما أمروا به من تعذيب وتخريب ولا حاجة إلى التأويل لأن إتيانهم ممكن . وَقُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من أمر إهلاكهم وتدميرهم أو عما كانوا يوعدون به ، فلا تقال لهم عثرة ولا تصرف عنهم عقوبة ولا ينفع في دفع ما نزل بهم حيلة . والتقدير : إلا أن يأتيهم اللّه ويقضي الأمر ، فوضع الماضي موضع المستقبل . إما للتنبيه في قرب العذاب أو الساعة « كل ما هو آت قريب » ، وإما لأن إخبار اللّه تعالى كالواقع المقطوع به . وقيل : الأمر المذكور هاهنا هو فصل القضاء بين الخلائق وأخذ الحقوق لأربابها وإنزال كل أحد من المكلفين منزله من الجنة والنار . وعن معاذ بن جبل وقضاء الأمر مصدر مرفوع عطفا على لفظي اللّه والملائكة . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ وذلك أنه ملك في الدنيا عباده كثيرا من أمور خلقه ، أما إذا صاروا إلى الآخرة فلا مالك للحكم بين العباد سواه وهذا كقولهم « رجع أمرنا إلى الأمير » إذا كان هو يختص بالنظر فيه . فعلى المكلف أن يدخل في السلم كما أمر ويحترز عن اتباع آثار الشيطان كما نهى . ثم إن الأمور ترجع إليه جل جلاله ، وهو تعالى يرجعها إلى نفسه بإفناء الدنيا وإقامة القيامة . فهذا معنى القراءتين في تُرْجَعُ وأيضا قراءة ضم التاء وفتح الجيم على مذهب العرب في قولهم « فلان معجب بنفسه » ويقول الرجل لغيره : إلى أين ذهب بك ؟ وإن لم يكن أحد يذهب به . أو المراد أن العباد يردّون أمورهم إلى خالقهم ويعترفون برجوعها إليه . أما المؤمنون فبالمقال ، وأما الكافرون فبشهادة الحال وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [ الرعد : 15 ] . التأويل : النفس الأمارة تظهر الأشياء المموهة والأقوال المزخرفة وترى أنها أولى الأولياء ، ولكنها أعدى الأعداء وتسعى في تخريب أرض القلب وإبطال حرث الصدق في طلب السعادة إهلاك نسل ما يتولد من الأخلاق الحميدة وتشمخ بأنفها عن قبول الحق