حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

578

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

على الكفر والمعاصي . فكأن نفسه خرجت عن ملكه وصارت حقا للنار ، وإذا أقدم على الطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار فصار حال المؤمن كالمكاتب يبذل دراهم معدودة ويشتري بها نفسه ، والمؤمن يبذل أنفاسا معدودة ويشتري بها نفسه ، لكن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . فكذا المكلف لا ينجو عن ربقة العبودية ما دام بقي له نفس واحد في الدنيا ، وهذا كقول عيسى عليه السلام وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [ مريم : 31 ] وقوله عزّ من قائل لنبيه وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] و ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي طلب رضوانه نصب على العلة الغائية . وفيه دليل على أن كل مشقة يتحملها الإنسان يجب أن تكون على وفق الشرع ومطلوبا بها جانب الحق وإلا كان عمله ضلالا وكده وبالا . وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ فمن رأفته جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل ، وجوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [ النحل : 106 ] ومن رأفته أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، ومن رأفته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط عقابه وأعطاه ثوابه ، ومن رأفته أن النفس له والمال له ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلا منه وامتنانا ورحمة وإحسانا . قوله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أصل السلم بالكسر ، والفتح الاستسلام والطاعة . ويطلق أيضا على الصلح وترك الحرب والمنازعة . وهو أيضا راجع إلى هذا وإنه يذكر ويؤنث . واختلف في المخاطبين فقيل : أمر للمسلمين بما يضاد حال المنافقين أي يا أيها الذين آمنوا بالألسنة والقلوب دوموا على الإسلام فيما تستأنفونه من أيامكم ولا تخرجوا منه ولا من شيء من شرائعه . وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ لا تلتفتوا إلى الشبهات التي يلقيها إليكم أهل الغواية ، والكائن في الدار إذا علم أن له في المستقبل خروجا منها لا يمتنع أن يؤمر بدخولها في المستقبل حالا بعد حال . ومعلوم أن المؤمنين قد يخرجون عن خصال الإيمان بالنوم والسهو وغيرهما من الأحوال ، فلا يبعد أن يأمرهم اللّه بالدخول في الإسلام فيما يستأنف من الزمان . أو أمرهم بأن يكونوا مجتمعين في نصرة الدين واحتمال البلوى فيه . ولا تتبعوا آثار الشيطان بالإقبال على الدنيا والجبن والخور في أمر الدين مثل وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا [ الأنفال : 46 ] أو يكون المراد بالدخول في السلم ترك الذنوب والمعاصي ، فإن من مذهبنا أن الإيمان باق مع الذنب والعصيان ، أو يكون المراد الرضا بالقضاء والتلقي لجميع المكاره بالبشر والطلاقة كما ورد في الخبر « الرضا بالقضاء باب اللّه الأعظم » أو يكون المراد ترك الانتقام وسلوك طريق العفو والإغماض وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] وقوله : كَافَّةً يصلح أن يكون حالا من المأمورين أي ادخلوا بأجمعكم في السلم ولا تتفرقوا ولا تختلفوا وأن يكون حالا من السلم على أنها