حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
575
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التفسير : لما آل أمر بيان الحج إلى تعديد فرق الناس بحسب أغراضهم في الدعاء ، ناسب أن يعطف على ذلك تقسيم آخر يعرف منه مطامح أنظار الناس على الإطلاق ليعرف أرباب النفاق . من أصحاب الوفاق . عن السدي : نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وهو حليف بني زهرة . أقبل إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة فأظهر له الإسلام وزعم أنه يحبه وقال : واللّه يعلم أني لصادق . فلما خرج من عند النبي صلى اللّه عليه وسلم مر بزرع لقوم من المسلمين وحمر ، فأحرق الزرع وعقر الحمر . وقيل : إنه أشار على بني زهرة بالرجوع يوم بدر وقال لهم : إن محمدا ابن أختكم فإن يك كاذبا كفاكموه سائر الناس ، وإن يك صادقا كنتم أسعد الناس به . فقالوا : نعم الرأي ما رأيت . ثم خنس بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسمى بهذا السبب أخنس - وكان اسمه أبي بن شريق - فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأعجبه . وعن ابن عباس والضحاك : أن كفار قريش بعثوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم أنا قد أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك فبعث إليهم جماعة ، فلما كانوا ببعض الطريق ركب من الكفار سبعون راكبا فأحاطوا بهم فقتلوهم وصلبوهم ففيهم نزلت . وقوله بعد ذلك وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي إشارة إلى هؤلاء الشهداء . واختيار المحققين من المفسرين أنه لا يمتنع أن تكون الآية نازلة في الرجل ثم تكون عامة في أمثاله . فهذه الآية عامة في المنافقين ، فإن ألسنتهم تحلو لي وقلوبهم أمر من الصبر . والضمير في يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ يعود إلى « من » ويحتمل أن يكون جمعا ولكنه أفرد نظرا إلى اللفظ . ومعنى يعجبك يروقك ويعظم في قلبك و فِي الْحَياةِ الدُّنْيا إما أن يتعلق بقوله أي يعجبك ما يقوله في باب الدنيا طلبا للمصالح العاجلة فقط كالأمان من القتل والأخذ من المغانم ، وإما أن يتعلق بيعجبك لأن قوله وحلو كلامه إنما يعجب السامع في الدنيا ولا يعجبه في الآخرة لما يرهقه في الموقف من الهيبة والحيرة ، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام . والخطاب إما للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أو لكل سامع . وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ يحتمل أن يكون ذلك الاستشهاد بالحلف ، وأن يكون بقوله « شهد اللّه على ما في قلبي من محبتك ومن الإسلام » . وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ الألد الشديد الخصومة ، واللديدان جانبا الوادي . كأن كلا من المتخاصمين في جانب . ومنه اللدود وهو ما يصب من الأدوية في أحد شقي الفم . وإضافة الألد بمعنى « في » كقولهم « ثبت الغدر » و « قتيل الصف » أو جعل الخصام ألد على المبالغة نحو « جد جده » . والخصام جمع خصم كصعاب في صعب . والمعنى : هو أشد الخصوم خصومة . والحاصل إنه جدل بالباطل شديد الفسوق في معصية اللّه عالم اللسان جاهل العمل ، وإذا تولى عنك وذهب بعد إلانة القول وإحلاء المنطق سعى في الأرض ليفسد فيها كما فعل بأولئك المسلمين من إحراق الزروع