حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
564
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام . أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ من قبل الهدى ، أو من قبل الرسول ، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم لَمِنَ الضَّالِّينَ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه . « وإن » هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ثُمَّ أَفِيضُوا في هذه الإفاضة قولان : أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا : إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره ، فالوقوف به أولى . وبأنهم أهل اللّه وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعا وكبرا . روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما جعل أبا بكر أميرا في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات . فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك ؟ فلا تذهب . فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر اللّه إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها . والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة ومعنى « ثم » التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول « أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم » تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره ، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه . وصيرورة المعنى : فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات ، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع . ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعا . وقوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ المراد به إبراهيم عليه السلام وإسماعيل عليه السلام فإن من سنتهما ذلك . وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس . وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا مقتدى به . إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [ النحل : 120 ] الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [ آل عمران : 173 ] يعني نعيم بن مسعود إن الناس يعني أبا سفيان . ووجه ثالث وهو أن يكون قوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال « هذا مما فعله الناس قديما » . القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر ، وقوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم اللّه تعالى بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة