حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
56
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
كحلفة من أبي رياح * يسمعها لاهه الكبار ولو عدّ هذه المسألة من اللغة جاز ، لأنها غير قياس . والشيطان فعلان أو فيعال ، والرجيم فعيل بمعنى مفعول ، وكلاهما للمبالغة . فهذه مسائل . وأما النحو ف « أعوذ » فعل فاعله ضمير المتكلم المستتر وهو أنا ، والمجموع جملة فعلية . وباللّه متعلق به . وكذا من الشيطان الرجيم ، نحو سرت من البصرة إلى الكوفة . والرجيم صفة للشيطان معرف مثله ، وشيطان منصرف لأنه اسم جنس لا علم . فهذه مسائل . وأما البديع فإن نقول : إنما اختير الرجيم دون اللعين أو المرجوم مثلا ليوافق الفاصلة الأخرى وهو الرحيم إذا ابتدأ القارئ بعد الاستعاذة بالبسملة ، وهو الأكثر ، مع أن أول القرآن أيضا البسملة واعتبار الاستعاذة هاهنا أولى ليكون تجنيسا خطيا وترصيعا . وأما المعاني فإن نقول : إنما اختير المضارع على الماضي ليدل على الاستمرار والدوام . أي : شأني أني أعوذ ، كقولك : يشرب الخطيب . وإنما لم يقل : أنا أعوذ وأنا عائذ ، وإن كانت الجملة الاسمية تدل على الثبات ، لأن المراد أني على تجدد هذا القول مني لحظة فلحظة ثابت مستمر ، لا أن عوذي مستمر . ويمكن أن يقال : المراد أني أعوذ في حال القراءة لقوله تعالى فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ [ النحل : 98 ] فتعين إيراد لفظ المضارع لأنه مشترك بين الحال والاستقبال . وإنما لم يقل « باللّه أعوذ » ليفيد الحصر ، كما يقال في « بسم اللّه أبتدئ » لأن الاستعاذة هاهنا أهم امتثالا للأمر ، ولأنه لا يعوذ إلا بالانقطاع عن الغير والتبري عن سوى الحق جل ذكره ، فلا حاجة إلى التخصيص ولأنه موافق لما ورد في القرآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ [ النحل : 98 ] . وإنما اختير اسم « اللّه » لأنه كالعلم والمقام مقام إحضار له في ذهن السامع بعينه ليكون أدلّ على انقطاعه عما سواه . وإنما ذكر « الشيطان » معرفا باللام الجنسي ليدل على هذه الحقيقة التي هي مادة كل شر ، ويشمل كل فرد منها ضرورة وجود الحقيقة في أي فرد يفرض . ولو أريد العهد أيضا جاز كما مر . ولو نكرت بأن قلت : « من شيطان رجيم » لم يفد العموم وإن قلت : « من كل شيطان » لأطلت ، والمقام مقام اختصار . وإنما وصف ب « الرجيم » لأن المقام مقام تأكيد وذم ، ولا ذم أبلغ من البعد عن حضرة من هو منشأ كل كمال ومصدر كل خير . وأما البيان ، فإن قوله « أعوذ » معناه ألتصق . ولا ريب أن الالتصاق باللّه محال لأن ذلك من شأن الأجسام . والمراد : ألتصق برحمة اللّه وفضله . فهو إذن مجاز لغوي . وفي نفس الالتصاق أيضا بعد تقدير الرحمة تجوّز بعيد على ما لا يخفى . ولو أريد بالشيطان شيطان الإنس أيضا ويثبت كون اللفظ موضوعا لشيطان الجن فقد كان استعارة . وإذا قدّرنا