حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

555

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الأجنبية . وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه . واختلف المفسرون فيه . فعن الحسن : هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل ، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة ، وقال محمد بن كعب القرظي : إن قريشا كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم : حجنا أتم . وقال آخرون : بل حجنا أتم . وقال آخرون : بل حجنا أتم . فنهاهم اللّه عن ذلك . وقال مالك في الموطأ : الجدال في الحج أن قريشا كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بقزح وإنه جبل هناك ، وكان غيرهم يقفون بعرفات ، وكل من الفريقين يقول : نحن أصوب . وقال القاسم بن محمد : كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك . فبعضهم يقول هذا يوم عيد ، ويقول آخرون بل غدا فكأنه قيل لهم : قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه . قال القفال : ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا : نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيا . فقال صلى اللّه عليه وسلم « لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة » فتركوا الجدال حينئذ . وقال عبد الرحمن بن زيد : جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم . وقيل : إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني : لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع ، والفسوق على الزنا ، والجدال على الشك في الحج ، ليصح خبر اللّه تعالى بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر . وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش ، وبالفسوق جميع أنواعه ، وبالجدال جميع أصنافه ، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة . وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور ، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء ، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات اللّه تعالى وصفاته وأفعاله وأحكامه ، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة . واعلم أن الجدال ليس منهيا عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشؤه صرف العصبية ومحض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة ، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات