حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

539

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

وشرائطهما وآدابهما لوجه اللّه بدليل قوله فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ قال أحمد بن يحيى أصل الحصر والإحصار الحبس ومنه الحصير للملك لأنه كالمحبوس في الحجاب . والحصير معروف سمي به لانضمام بعض أجزائه إلى بعض . فكأن كلا منها محبوس مع غيره ، والحصير المحبس أيضا . والأكثرون على أن لفظ الحصر مخصوص بمنع العدو . يقال : حصره العدو إذا منعه عن مراده وضيق عليه . وعن أبي عبيدة وابن السكيت والزجاج وغيرهم : أن لفظ الإحصار مختص بالمرض ونحوه من خوف وعجز قال تعالى الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ البقرة : 273 ] وقيل : الإحصار مختص بمنع العدو . ومنه ما يروى عن ابن عمر وابن عباس : لا حصر إلا حصر العدو . وفائدة الخلاف في الآية تظهر في مسألة فقهية وهي أنهم اتفقوا على أن حكم الإحصار عند حبس العدو ثابت . وهل يثبت بسبب المرض وسائر الموانع ؟ قال أبو حنيفة : يثبت . وقال الشافعي ومالك وأحمد : لا يثبت ، بل يصبر حتى يبرأ . نعم لو شرط أنه إذا مرض تحلل صح الشرط لما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم مر بضباعة بنت الزبير فقال : أما تريدين الحج ؟ فقالت : إني شاكية . فقال : حجي واشترطي أن تحلي حيث حبست . وفي حكم المرض كل غرض صحيح كضلال الطريق ونفاد الزاد ، حجة أبي حنيفة ظاهر كلام أكثر أهل اللغة ، وما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل » « 1 » وحجة الشافعي قول ابن عمر وابن عباس وطائفة من أهل اللغة . وأيضا الهمزة في أُحْصِرُوا ليس للتعدية لمساواته حصر في اقتضاء المفعول فتكون للوجود ، أو لصيرورته ذا كذا فيؤوّل المعنى إلى أنكم إن وجدتم أو صرتم محصورين فلا يبقى النزاع ، وأيضا المانع إنما يتحقق عند وجود المقتضي ، والمريض لا قدرة له على الفعل فلا مانع بالنسبة إليه ، فثبت أن لفظ الإحصار حقيقة في العدو دون المرض . وأيضا لفظ المانع على المرض غير معقول لأنه عرض لا يبقى زمانين . وأيضا لو كان المريض داخلا في المحصر لكان في قوله فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً نوع تكرار ولزم عطف الشيء على نفسه . واعتذر عن هذا بأن المريض إنما خص بالذكر لأن له حكما خاصا وهو حلق الرأس ، فصار تقدير الآية إن منعتم لمرض تحللتم بدم ، وإن تأذى رأسكم بمرض حلقتم وكفّرتم ، وأيضا فإذا أمنتم يناسب الخوف من العدو إذ يقال في المرض شفي وعوفي لا أمن . ولو قيل : إن خصوص آخر الآية لا يقدح في عموم أولها قلنا : لا يلزم من عدم القدح وجود المناسبة .

--> ( 1 ) رواه أبو داود في كتاب المناسك باب 43 . الترمذي في كتاب الحج باب 94 النسائي في كتاب المناسك باب 102 . ابن ماجة في كتاب المناسك باب 85 ، الدارمي في كتاب المناسك باب 57 .