حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

530

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الشهر الحرام ، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك . وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش ، ثم صار اسما لكل محنة . والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هربا من إضلالهم في الدين وإبقاء على مهجهم وحرمهم ، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه يقتضي التخلص ، من غموم الدنيا وآفاتها . لقتل بحد السيف أهون موقعا * على النفس من قتل بحد فراق وقيل : الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم ، فكأنه قيل : اقتلوهم حيث ثقفتموهم ، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب اللّه ما هو أشد منه قال عزّ من قائل : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] وقيل : فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا لها ، أشد من قتلكم إياهم في الحرم . وقيل : ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل محقا . فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو تتكاسلوا عن طاعة معبودكم . يروى أن الأعمش قال لحمزة : أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولا فبعد ذلك كيف يصير قاتلا لغيره ؟ فقال حمزة : إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا ، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ضربنا ، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم . فَإِنِ انْتَهَوْا قيل : أي عن القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس . وقيل : أي عن الشرك بدليل قوله : فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ الدال على أنه يغفر لهم ويرحمهم والكافر لا ينال غفران اللّه ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر ، عن الحسن . قلت : إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان ، والانتهاء عن الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال ، وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعا ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران . وقد يستدل بقوله : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ على أن التوبة عن قتل العمد بل من كل ذنب . مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب ، فإذا قبل اللّه تعالى توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى . وأيضا الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا أسلم ، فالقاتل غير الكافر أولى . ويمكن أن يجاب بأن حق اللّه تعالى مبني على المساهلة فظهر الفرق . وأيضا الإيمان يجب ما قبله ، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا يؤاخذ المسلم بقتله ، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ترك الصلاة ، ولا يجب على الكافر إذا أسلم .