حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
513
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
ثلثي دينه » أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار . وعن الأصم : أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا يفعلونه ، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم . ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر « لابس » وضع موضع الصفة . وموقع قوله هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال ، فإن مثل هذه المخالطة والملابسة توجب قلة الصبر عنهن . ومعنى عَلِمَ اللَّهُ ظهر معلومه أو هو عالم ، ولم يذكر في الآية أن الخيانة فيما ذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع والذي تأخر هو مثله بدليل فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ فتعين أن يكون المراد به الخيانة في الجماع . ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم ، وكل من عصى اللّه ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب . وقيل : إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم ، وإنما المراد علم اللّه أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم لضعفكم وقلة صبركم ، فوسع الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة . فَتابَ عَلَيْكُمْ من الفاء الفصيحة أي فتبتم فقبل توبتكم . وعلى قول أبي مسلم لا إضمار . فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ تأكيد لقوله أُحِلَّ لَكُمْ وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في جميع أجزائها حتى الصباح . والجمهور على أن المراد بالمباشرة هاهنا الجماع ، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه . ومنه ما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة » « 1 » وإنما قلنا إن المراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم ، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع لفظيا . وأما المباشرة في قوله وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ فلا يعود النزاع فيها إلى اللفظ ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه من الاستمتاعات . وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ جعل أو قضى أو كتب في اللوح من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح وهو التناسل . قال صلى اللّه عليه وسلم « تناكحوا تكثروا » « 2 » وقيل : هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك . وعن الشافعي : لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها ، ولا بأس أن يعزل عن الأمة . وعن علي كرم اللّه وجهه : أنه كان يكره العزل . وقيل : اطلبوا المحل الذي حلله اللّه لكم كقوله تعالى
--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 1 / 304 ، 380 ) ( 2 / 326 ) . ( 2 ) رواه ابن ماجة في كتاب النكاح باب 8 . بلفظ « انكحوا فإني مكاثر بكم » .