حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
507
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال ، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال . شعر : رمزت إليه حذار الرقيب * وكتمان سر الحبيب حبيب إذا ما تلاشيت في نوره * يقول لي ادع فإني قريب فإن سألوه عليه السلام : أين ربنا ؟ صح الجواب بأني قريب ، وإن سألوه : هل يسمع ربنا دعاءنا ؟ صح الجواب بأني قريب ، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت أم بإخفائه ؟ صح أن يجاب إني قريب ، وإن سألوه : هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صحّ في الجواب فإني قريب ، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل اللّه توبتنا ؟ صحّ أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم . واعلم أن الدعاء مصدر دعوت أدعو وقد يكون اسما . تقول : سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتا . وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية والاستمداد والمعونة . قال بعض الظاهريين : لا فائدة في الدعاء لأن المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند اللّه كان واجب الوقوع وإلا فلا . ولأن الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن ، فالدعاء لا يزيد فيها شيئا ولا ينقص ، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطف لا يبخل به ، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه ، ولأن أجل مقامات الصدّيقين الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس . والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك ، ولأن الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب ، ولهذا ورد في الكلام القدسي « من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين » « 1 » وقال جمهور العقلاء : إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين . والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين ، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد . والسبب العقلي فيه أن كيفية علم اللّه وقضائه وقدره غائبة عن العقول ، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقا بين الرجاء والخوف اللذين بهما تتم العبودية . وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم اللّه وجريان قضائه وقدره في الكل . وما روي عن جابر أنه جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول اللّه بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم ، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل ؟ قال : بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير . قال : ففيم العمل ؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له . وكل عامل بعمله
--> ( 1 ) رواه الترمذي في كتاب ثواب القرآن باب 25 . الدارمي في كتاب فضائل القرآن باب 6 .