حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
5
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
في النظر هو الأصعب في نفس الأمر . وذلك من أذلّ دليل على حقية المنزّل وصدق المنزّل عليه وكيف لا وفيه نبأ الأولين وخبر الآخرين وحكم ما بين الخلائق أجمعين ؟ ! قال صلى اللّه عليه وسلم في وصفه : « هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبّار قصمه اللّه ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه اللّه . هو حبل اللّه المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه . هو الذي لم ينته الجن إذ سمعته حتى قالوا : إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به . من قال به صدق ، ومن عمل به أجر ، ومن حكم به عدل ، ومن ناظر به فلج ، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم » . ولقد انتصب جمّ غفير وجمع كثير من الصحابة والتابعين ثم من العلماء الراسخين والفضلاء المحققين والأئمة المتقنين في كل عصر وحين ، للخوض في تيار بحاره والكشف عن أستار أسراره والفحص عن غرائبه والاطلاع على رغائبه نقلا وعقلا وأخذا واجتهادا ، فتباينت مطامح همّاتهم ، وتباعدت مواقع نياتهم ، وتشعبت مسالك أقدامهم وتفنّنت مقاطر أقلامهم ؛ فمن بين وجيز وأوجز ومطنب وملغز ، ومن مقتصر على حل الألفاظ ، ومن ملاحظ مع ذلك حظ المعاني والبيان ونعم اللحاظ ، فشكر اللّه تعالى مساعيهم وصان عن إزراء القادح معاليهم . ومنهم من أعرض عن التفسير وأقبل على التأويل ، وهو عندي ركون إلى الأضاليل وسكون على شفا جرف الأباطيل إلا من عصمه اللّه وإنه لقليل ، ومنهم من مرج البحرين وجمع بين الأمرين . فللراغب الطالب أن يأخذ العذب الفرات ويترك الملح الأجاج ، ويلقط الدرّ الثمين ويسقط السبج والزجاج . وإذ وفقني اللّه تعالى لتحريك القلم في أكثر الفنون المنقولة والمعقولة كما اشتهر بحمد اللّه تعالى ومنّه فيما بين أهل الزمان . وكان علم التفسير من العلوم بمنزلة الإنسان من العين والعين من الإنسان . وكان قد رزقني اللّه تعالى من إبان الصبا وعنفوان الشباب حفظ لفظ القرآن وفهم معنى الفرقان . وطالما طالبني بعض أجلّة الإخوان وأعزة الأخدان ممن كنت مشارا إليه عندهم بالبنان في البيان - واللّه المنان يجازيهم عن حسن ظنونهم ويوفّقنا لإسعاف سؤلهم وإنجاح مطلوبهم - أن أجمع كتابا في علم التفسير مشتملا على المهمات مبنيا على ما وقع إلينا من نقل الأثبات وأقوال الثقات ، من الصحابة والتابعين ثم من العلماء الراسخين والفضلاء المحققين المتقدمين والمتأخرين - جعل اللّه تعالى سعيهم مشكورا وعملهم مبرورا - فاستعنت بالمعبود وشرعت في المقصود ، معترفا بالعجز والقصور في هذا