حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

485

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

مشتملة على إيلام العبد الضعيف وأنه لا يليق بكمال رحمته عقبها بقوله وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ . قال المفسرون : القصاص إزالة الحياة ، وإزالة الشيء لا تكون نفس ذلك الشيء فالمراد لكم في شرع القصاص حياة وأيّ حياة . وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة ، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل . وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ، ويحتمل أن يقال : نفس القصاص سبب لنوع من الحياة وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل ، لأن القاتل إذا قيد منه ارتدع من كان بهم بالقتل فلم يقتل ولم يقتل فكان القصاص سبب حياة نفسين . وقرأ أبو الجوزاء وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أي فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص . وقيل : القصص القرآن أي لكم في القرآن حياة للقلوب . وهذا وقد اتفق علماء البيان على أن قوله سبحانه وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بلغ في الإيجاز نهاية الإعجاز ، وذلك أن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثيرة كقولهم « قتل البعض أحياء للجميع » وأكبروا القتل وأوجز ذلك قولهم « القتل أنفى للقتل » . والترجيح مع ذلك للآية من وجوه : الأول أن قولهم لا يصح على العموم لأن القتل ظلما ليس أنفى للقتل قصاصا بل أدعى له . ولو خصص فقيل « القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما » طال . والآية تفيد هذا المعنى من غير تقدير وتكلف . الثاني : أن القتل قصاصا لا ينفي القتل ظلما من حيث إنه قتل بل من حيث إنه قصاص . وهذه الحيثية معتبرة في الآية لا في كلامهم . الثالث : أن الحياة هي الغرض الأصلي ونفي القتل إنما يراد لحصول الحياة . فالتنصيص على المقصود الأصلي أولى . الرابع : التكرار من غير ضرورة مستهجن وأنه في كلامهم لا في الآية . الخامس : أن الحروف الملفوظة التي يعتمد عليها في اعتبار الوجازة لا المكتوبة هي في الآية عشرة ، وفي كلامهم أربعة عشر . السادس : أن الأغلب في كلامهم أسباب خفاف وذلك مما يخل بسلاسة التركيب ، والآية مع غاية وجازتها فيها السبب والوتد والفاصلة . السابع : ظاهر قولهم يقتضي كون الشيء سببا لانتفاء نفسه وهو محال ، وفي الآية جعل نوع من القتل وهو القصاص سببا لنوع من الحياة ولا استبعاد فيه لظهور التغاير . الثامن : المطابقة مرعية في الآية لمكان التضاد بين لفظي القصاص وحياة بخلاف كلامهم . التاسع : اشتمال الآية على لفظ يصلح للتفاؤل وهو الحياة ، بخلاف كلامهم فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان وأنه لكما يليق بهم . العاشر : اشتمال الآية على اسمين وأداة ، واشتمال كلامهم على ثلاثة أسماء وأداة . وإن اعتبرت أداة التعريف ففي الآية واحدة وفي كلامهم ثنتان ، وإن اعتبر التنوين في الآية تقاصت الأدوات وتبقى زيادة الأسماء بحالها ، على أن أفعل التفضيل إذا لم يكن فيه اللام والإضافة يستعمل بمن . فتقدير كلامهم « القتل أنفى