حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
479
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وتمام شرط البار أن يجتمع فيه هذه الأوصاف ، ومن قام بواحدة منها لم يستحق الوصف بالبر فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر في البأساء ، بل لا يكون قائما بالبر إلا عند استجماع هذه الخصال حتى قال بعضهم : إن البر من خواص الأنبياء . والحق أنه ليس بمستبعد أن يوجد في الأمة موصوف بالبر إلا أن كمال البر لا يكون إلا في النبي ولا سيما نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم . ثم إن أهل الكتاب كما أخلوا بجميع أوصاف البر أخلوا بالإيمان باللّه وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [ التوبة : 30 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [ المائدة : 64 ] وذهبت اليهود إلى التجسيم ، والنصارى إلى الحلول والاتحاد ، وأنكروا المعاد الجسماني وقالوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى [ البقرة : 111 ] لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً [ البقرة : 8 ] وقالوا : إن جبريل عدوّنا وكفروا بالكتب السماوية أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [ البقرة : 85 ] وقتلوا النبيين وطعنوا في نبوة المرسلين ، واتسموا بسمة الشح حتى اشتروا بآيات اللّه ثمنا قليلا ، ونقضوا العهود أَ وَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ [ البقرة : 100 ] ولم يصبروا في اللأواء لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ [ البقرة : 61 ] ولا حين البأس فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] فالعجب كل العجب منهم حيث ادّعوا البر ولا شيء ولا واحد من أجزاء البر فيهم ، وهذا غاية القحة ونهاية العناد واللّه بصير بالعباد . التأويل : ليس البر بركم بتولية وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر الحقيقي هو بري معكم بتولية وجوه أرواحكم بجذبات المحبة قبل الحضرة الربوبية المحبوبية لتؤمنوا بدلالة نور بري بي وببر حبي لكم تحبوني ، والملائكة يحبونكم ببر حبي لكم . وبر حبي لكم ليس بمحدث كبركم معي بل هو بر قديم في الكتاب القديم ، وبنور هذه المحبة تحبون أهل محبتي وهم النبيون . فالجنسية علة الضم . وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ أي ما حصل للعبد من بر الحب وما مال إلى سره من عواطف الحق ينفقه على حب حبيبه بأداء حقوق الشريعة والطريقة بالمعاملات القالبية والقلبية ذَوِي الْقُرْبى وهم الروح والقلب والسر ذوو قرابة الحق وَالْيَتامى المتولدات من النفس الحيوانية الأمارة بالسوء إذا ماتت النفس عن صفاتها بسطوات تجلي صفات الحق وَالْمَساكِينَ هم الأعضاء والجوارح وَابْنَ السَّبِيلِ القوى البشرية والحواس الخمس فإنهم في التردد والسفر إلى عوالم المعقولات والمخيلات والمحسوسات والموهومات وَالسَّائِلِينَ الدواعي الحيوانية والروحانية وَفِي الرِّقابِ في فك رقبة السر عن أسر تعلقات الكونين . فحينئذ أقام صلاة