حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
461
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
التفسير : أنه سبحانه وتعالى لما قرر للتوحيد الدلائل الباهرة عقبها تقبيح ما يضاده « فبضدها تتبين الأشياء » والند المثل المناد كما سلف . والمراد بالأنداد هاهنا هي الأصنام التي اعتقد المشركون أنها تقربهم إلى اللّه زلفى ، ونذروا لها النذور وقربوا لأجلها القرابين ، وقيل : يعني السادة الذين كانوا يطيعونهم وينزلون على أوامرهم ونواهيهم محلين ما حرم اللّه ومحرّمين ما أحل . عن السدى : واستدل على تفسيره بأن قوله يُحِبُّونَهُمْ فيه ضمير العقلاء ولأنه من المستبعد أن تكون محبتهم لها كمحبتهم للّه تعالى مع علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ولقوله إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وذلك لا يليق إلا بمن اتخذ العقلاء أندادا وأمثالا للّه تعالى يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم ما يلتزمه المؤمنون للّه تعالى . ويمكن تزييف الحجج بأن ضمير العقلاء جاز عوده إلى الأصنام بناء على اعتقاد الجهلة حيث نظموها في سلك المعبود الحق . قال تعالى إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ [ فاطر : 14 ] . وأيضا علمهم بأنها لا تضر ولا تنفع ممنوع ولو علموا بذلك ما أشركوا وأيضا التبري لا يمتنع من الأصنام بدليل قوله تعالى وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [ فاطر : 14 ] وقال أهل العرفان : كل شيء شغلت قلبك به سوى اللّه فقد جعلته في قلبك ندا للّه تعالى أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [ الجاثية : 23 ] يُحِبُّونَهُمْ يحبون عبادتهم أو التقرب إليهم والانقياد لهم ، أو يعظمونهم ويخضعون لهم كحب اللّه من إضافة المصدر إلى المفعول أي كما يحب اللّه على أنه مصدر من المبني المفعول . وإنما استغنى عن ذكر من يحبه وهم المؤمنون لأنه غير ملتبس . وقيل : كالحب اللازم عليهم للّه وقيل : كحبهم اللّه أي يسوّون بينه وبينهم في محبتهم بناء على أنهم كانوا مقرّين باللّه فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ العنكبوت : 65 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره في السراء ولا في الضراء ، ولا يجعلون وسائط بينهم وبينه بخلاف المشركين يقولون : هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه . ويعبدون الصنم زمانا ثم يرفضونه إلى غيره ، أو يأكلونه كما أكلت باهلة آلهتها من حيس وهو الأقط والسمن والتمر عام المجاعة وفيهم قال الشاعر : أكلت حنيفة ربها * زمن التقحم والمجاعة لم يحذروا من ربهم * سوء العواقب والتباعة واعلم أن إطلاق محبة العبد للّه تعالى قد ورد في القرآن والحديث كما في هذه الآية وكقوله يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] ويروى أن إبراهيم عليه السلام قال لملك الموت . وقد جاء لقبض روحه - هل رأيت خليلا يميت خليله ؟ فأوحى اللّه إليه : هل رأيت