حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
459
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
فرد حكيم . يحكى أن شخصا قال بحضرة عمر : إني أتعجب من أمر الشطرنج ورقعته صغيرة ولو لعب الإنسان به ألف مرة لم يتفق مرتان فقال عمر : هاهنا ما هو أعجب منه ، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر ، ثم إن مواضع الأعضاء التي فيها من الحاجبين والعينين والأنف والفم لا يتغير البتة ومع ذلك لا ترى شخصين أبدا يشتبهان في الصورة . فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها ، ولولا هذا الاختلاف لاشتبه الناس بعضهم ببعض وانقطع نظم معايشهم وحوائجهم . ومن تأمل كتب التشريح وقرأ كتاب الحيوان وتتبع عجائب المخلوقات وقف من تراكيبها وخواصها على ما يقضي منه العجب ويفضي إلى الاعتراف بوحدانية الرب . السابعة : تصريف اللّه تعالى الرياح مع دقتها ولطافتها وفي ذلك نفع عظيم لانتفاع الحيوان بتنشق الهواء البارد ، وبجريان السفن بهبوب الرياح ، ومن قبل تلقيح الأشجار وسوق السحاب إلى حيث يرسله اللّه تعالى ، ومن جهة تصحيح الأهوية الوبائية إلى غير ذلك من المنافع . والمراد بتصريفها تقليبها في جهات العالم على حسب المصالح شمالا وجنوبا وشرقا وغربا أي صبا ودبورا على كيفيات متخالفة حارّة وباردة وعاصفة ورخاء . ومن قرأ الريح بالموحدة فليس فيها دلالة على العذاب في هذا المقام ، والذي جاء في الحديث أنه صلى اللّه عليه وسلم كان إذا هبت الريح قال : اللّهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا . فلا يدل إلا على أن مواضع الرحمة بالجمع أدل كما قال تعالى : وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ [ الروم : 46 ] وقال وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ [ الذاريات : 41 ] وقد تختص اللفظة في القرآن بشيء فتكون أمارة له . فمن ذلك أن عامة ما جاء في التنزيل من قوله وَما يُدْرِيكَ مبهم غير معين قال وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [ الشورى : 17 ] وما كان من لفظ « أدراك » فإنه مفسر وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ [ القارعة : 3 ] وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ [ القارعة : 10 ] . الثامنة : السحاب المسخر بين السماء والأرض سمي سحابا لانسحابه في الهواء . ومعنى التسخير التذليل . وذلك أن طبع الماء ثقيل يقتضي النزول فكان بقاؤه في جو الهواء على خلاف طبعه بقاسر ومخسر . وأيضا لو دام لعظم ضرره من حيث إنه يستر ضوء الشمس ويكثر الأنداء والأمطار ويتعذر التردد في الحوائج ، ولو انقطع لعظم ضرره لاستلزامه الجدب والإمحال ، فكان تقديره بالمقدار المعلوم والإتيان به في وقت الحاجة ودفعه عند زوالها بمدبر ومسخر لا محالة . وفي نفس السحاب من عظمه وتراكمه وارتفاعه وانخفاضه وانبساطه وتخلخله وسده الأفق في لحظة وانقشاعه في أخرى واشتماله على