حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

456

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ظاهر ، وكذا من جهة ارتباطهما بحركة النير الأعظم ، وكذا من جهة انتظام أحوال العباد بهما بسبب طلب المعاش في الأيام والنوم والراحة في الليالي . ومن الغرائب تعاون المتنافيين على أمر واحد هو إصلاح معاش الحيوان ، وأن إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه موت الخلائق أولا عند النفخة الأولى ، ويقظتهم عند طلوع الفجر تضاهي عود الحياة إليهم في النفخة الثانية ، وانشقاق ظلمة الليل بظهور الفجر المستطيل فيه من أعجب الأشياء كأنه جدول ماء صاف يسيل فيما بين بحر كدر بحيث لا يمتزجان . وكل هذه الأمور دلائل على وجود مبدع عظيم الشأن غني عن الزمان والمكان مبرأ عن سمات الحدوث والإمكان . الرابعة : الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس أي متلبسة بالذي ينفعهم مما يحمل فيها ، أو بنفع الناس . والفلك بالضم والسكون السفينة ، واحد وجمع . فضمة الواحد ضمة برد وضمة الجمع ضمة أسد ، وتأنيث صفته هاهنا أن يكون لتضمين معنى السفينة ، ويحتمل أن يكون لمعنى الجمعية أي المراكب التي تجري ، والتركيب يدل على الاستدارة والدوران ومنه « الفلك جسم كروي يحيط به سطحان متوازيان مركزهما واحد » « وفلكة المغزل » « وفلك ثدي الجارية استدار » . والبحر خلاف البر . قيل : سمي بذلك لاتساعه وتعمقه ومنه « تبحر في العلم والمال » ويسمى الفرس الواسع الجري بحرا . قال صلى اللّه عليه وسلم في فرس أبي طلحة : إن وجدناه لبحرا وقيل : من الشق بحرت أذن الناقة شققتها . ومنه البحيرة . هذا وقد سلف في تفسير قوله عزّ من قائل الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً [ البقرة : 22 ] . أن الماء محيط بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض فذلك هو البحر المحيط . وقد دخل من ذلك الماء من جانب الجنوب متصلا بالمحيط الشرقي ومنقطعا عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خلجان : أولها إذا ابتدئ من الغرب الخليج البربري لكونه حدود بربر من أرض الحبشة طوله من الجنوب إلى الشمال مائة وستون فرسخا ، وعرضه خمسة وثلاثون فرسخا . وعلى ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة وبعض الزنج ، وعلى الشرقي بلاد مسلمي الحبشة . وثانيها الخليج الأحمر ، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا ، وعرضه بقرب منتهاه ستون فرسخا ، وبين طرفه وفسطاط مصر الذي على شرقي النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر ، وعلى ضلعه الغربي بلاد الزنج من البربر وبعض بلاد الحبشة ، وعلى ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضة مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لقوافل مصر والحبشة إلى الحجاز ، ثم سواحل اليمن ، ثم عدن على الزاوية الشرقية منه . وثالثها خليج فارس ، طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة وستون فرسخا ، وعرضه