حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
441
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
وَنَقْصٍ عطف على بِشَيْءٍ ويحتمل أن يعطف على الخوف بمعنى وشيء من نقص الأموال . والخطاب في وَبَشِّرِ لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو لكل من يتأتى منه البشارة . قال الإمام الغزالي رحمه اللّه : الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم لنقصانها ، فليس لشهواتها عقل يعارضها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبرا ، ولا في الملائكة فليس لعقلهم شهوة تصرفهم عن الاشتغال بخدمة الكبير المتعال وتمنعهم عن الاستغراق في مطالعة حضرة ذي الجلال . وأما الإنسان فإنه في الصبا بمنزلة البهيمة ليس له إلا شهوة الغذاء ، ثم شهوة اللعب بعد حين ، ثم شهوة النكاح لكنه إذا بلغ انضم له مع الشهوة الباعثة على اللذات العاجلة عقل يدعوه إلى الإعراض عنها والإقبال على تحصيل السعادات الباقية ، فيقع بين داعيتي العقل والشهوة تضاد قصد العقل إياها هو المعنى بالصبر . وإنه ضربان : بدني فعلا كتعاطي الأعمال الشاقة ، أو انفعالا كالثبات على الآلام ، ونفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الطبع ، فإن كان حبسا عن شهوة البطن والفرج سمي عفة ، وإن كان احتمال مكروه ، فإن كان من مصيبة خص باسم الصبر ويضاده حالة هي الجزع وهي إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب ونحوها ، وإن كان في حال الغنى سمي ضبط النفس ، ويضاده حالة البطر . وإن كان في حال مبارزة الأقران سمي شجاعة ويضاده الجبن ، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى حلما ويضاده النزق ، وإن كان في نائبة من النوائب سمي سعة الصدر ويضاده الضجر وضيق الصدر ، وإن كان في إخفاء كلام يسمى كتمان النفس ، وإن كان عن فضول العيش سمي زهدا وضده الحرص ، وإن كان على قدر يسير من المال سمي قناعه ويضاده الشره . وليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك فإنه غير ممكن ، وإنما الصبر على المصيبة هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع . ولا بأس بظهور الدمع وتغير اللون فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بكى على إبراهيم ابنه فقيل له في ذلك فقال : إنها رحمة ، وإنما يرحم اللّه من عباده الرحماء . ثم قال : العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا . ثم الصبر عند الصدمة الأولى وإلا سمي سلوا وهو مما لا بد منه ولهذا قيل : لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه . وقد وصف اللّه تعالى الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعا وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [ السجدة : 27 ] وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا [ أعراف : 137 ] وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ النحل : 96 ] إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] فما من طاعة إلا وأجرها مقدر إلا الصبر ،