حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

422

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

تقبل شهادتهم على الأمم ، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم . وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله صلى اللّه عليه وسلم « إذا علمت مثل الشمس فاشهد » . والشيء الذي أخبر اللّه تعالى عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه ، وإما بأن يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها . قال ابن زيد : الأشهاد أربعة : الملائكة الحفظة وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ] والنبيون وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم خاصة لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [ غافر : 51 ] والجوارح يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ [ النور : 24 ] . وقيل : إن هذه الشهادة في الدنيا ، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة ، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع ، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل جَعَلْناكُمْ بلفظ الماضي ، فلا أقل من حصولها في الحال . ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم ، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا . وإن قيل : لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة . قلنا : المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل ، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحد منهم محق في نفسه ، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين ، وهذا من خواص هذه الأمة ، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد ، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم ، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلّا بشهادة العدول الأخيار ، ويكون الرسول عليكم شهيدا يزكيكم ويعلم بعدالتكم . وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط ، فبقيت صلة الشهادة في مركزها . والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيدا عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص . وإنما لم يقل لكم شهيدا مع أن شهادته لهم لا عليهم ، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [ المجادلة : 6 ] مع رعاية الطباق للأول . وإنما قيل « شهداء على الناس في الدنيا » لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال . قيل : الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وليس كذلك ، فلا بد من حملها على البعض . فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في جَعَلْناكُمْ للموجودين عند نزول الآية