حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

420

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

الخدمة . وأيضا الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات ، ولا يتأتى ذلك إلّا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلا لجهة واحدة على التعيين . وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى . وأيضا إنه تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً [ آل عمران : 103 ] . وتوجه كل مصل إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق . وأيضا كأنه تعالى يقول : يا مؤمن أنت عبد ، والكعبة بيتي ، والصلاة خدمتي ، وقلبك عرشي ، والجنة دار كرامتي ، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ ، أبوئك دار كرامتي . وأيضا اليهود استقبلوا مغرب الأنوار وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ [ القصص : 44 ] . والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا [ مريم : 16 ] فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة ، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دار الفلك الدوّار . وأيضا المغرب قبلة موسى ، والمشرق قبلة عيسى ، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد ، وخير الأمور أوسطها ؛ وأيضا الكعبة سرة الأرض ووسطها ، وأمة محمد وسط وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً . والوسط بالوسط أولى الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ [ النور : 26 ] . وأيضا العرش قبلة الحملة ، والكرسي قبلة البررة ، والبيت المعمور قبلة السفرة ، والكعبة قبلة المؤمنين ، والحق قبلة المتحيرين فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ والعرش مخلوق من النور ، والكرسي من الدر ، والبيت المعمور من الياقوت ، والكعبة من جبال خمسة : سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء . كأنه قال : إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوبا فأتيت الكعبة حاجا أو معتمرا أو توجهت مصليا الصلوات الخمس غفرتها لك . وأيضا لما كان بناء هذا البيت سببا لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضا اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين . فأزيل تشويشهم ، وأيضا الكعبة منشأ محمد ، فتعظيمها يقتضي تعظيمه ، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه ، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله . فهذه هي الوجوه المناسبة ، والوجه الأقوى هو الذي ذكره اللّه تعالى في قوله وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وقوله وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ الكاف للتشبيه ، وفي اسم الإشارة وجوه . فقيل : راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم ، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطا . وقيل : عائد إلى قوله وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ [ البقرة : 130 ] . أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم . وقيل :