حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

415

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

يستجيب لك لا محالة ، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك صِبْغَةَ اللَّهِ مصدر مؤكد منتصب عن قوله آمَنَّا بِاللَّهِ مثل وعد اللّه قاله سيبويه وقيل : بدل من مِلَّةَ إِبْراهِيمَ أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة اللّه ، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام . والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة . والمعنى تطهير اللّه لأن الإيمان يطهر النفس . وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانيا حقا ، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا اللّه بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم ، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلا يصطنع الكرام ، ونظيره قوله إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] وقيل : اللفظة من قولهم « فلان يصبغ فلانا في الشر » أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازما للثوب . وقيل : سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه . سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [ الفتح : 29 ] « من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار » وقيل : وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة اللّه ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان . وقيل : صبغة اللّه فطرته . أقول : وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب ، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به . وقيل : صبغة اللّه الختان . وقيل : حجة اللّه . وقيل : سنة اللّه . وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان باللّه والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك . وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مرارا . قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان ، وإما قولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [ المائدة : 18 ] وقولهم كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] وإما للكل والمعنى ، أتجادلون في شأن اللّه أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلا له ، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ فكما أن لكم أعمالا ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك ، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن نَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ موحدون لا نقصد بالعبادة أحدا سواه ، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد